و التفاضل على مراتب. فمنها بالسن، و لكن في الطاعة و الإسلام. فيفضل الكبير السن على الصغير السن، إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل، بالسن: فإنه أقدم منه فيه. -و يفضل (العمل) ، أيضا، بالزمان: فان العمل في رمضان، و في يوم الجمعة، و في ليلة القدر، و في عشر ذى الحجة، و في عاشوراء-أعظم من سائر الأزمان. و (كذلك حكم) كل زمان عينه الشارع. -و تقع المفاضلة بالمكان، كالمصلى في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلى في مسجد المدينة، و كذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى.
و هكذا فضل الصلاة في المسجد الأقصى على سائر المساجد.
و (الناس) يتفاضلون، أيضا، بالأحوال: فان الصلاة في الجماعة، في الفريضة، أفضل من صلاة الشخص وحده. و أشباه هذا. - و يتفاضلون بالأعمال: فان الصلاة أفضل من إماطة الأذى، و قد فضل اللّٰه الأعمال بعضها على بعض. -و يتفاضلون، أيضا، في نفس العمل الواحد:
كالمتصدق على رحمه، فيكون صاحب صلة رحم و صدقة، و المتصدق على غير رحمه (هو) دونه في الأجر. و كذلك من أهدى هدية لشريف من أهل البيت (فهو) أفضل ممن أهدى لغير شريف، أو بره، أو أحسن إليه. -و وجوه المفاضلة كثيرة في الشرع، و إن كانت محصورة. و لكن أريتك منها أنموذجا تعرف به ما قصدناه بالمفاضلة.
و الرسل-ع-إنما ظهر فضلها في الجنة، على غيرها، بجنة الاختصاص، و أما بالعمل، فهم في جنات الأعمال بحسب الأحوال، كما ذكرنا. و كل من فضل غيره، ممن ليس في مقامه، فمن جنات الاختصاص، لا من جنات الأعمال.
و من الناس من يجمع في الزمن الواحد أعمالا كثيرة: فيصرف سمعه فيما ينبغي، في زمان تصريفه بصره، في زمان تصريفه يده، في زمان صومه، في زمان صدقته، في زمان صلاته، في زمان ذكره، في زمان نيته من فعل و ترك. فيؤجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره، ممن ليس له ذلك. و لذلك لما ذكر رسول اللّٰه-ص-الثمانية الأبواب من الجنة أن يدخل من أيها شاء، قال أبو بكر: "يا رسول اللّٰه! و ما على الإنسان أن يدخل من الأبواب كلها؟ "-قال رسول اللّٰه-ص -: "أرجو أن تكون منهم، يا أبا بكر. "فأراد أبو بكر بذلك القول ما ذكرناه: أن يكون الإنسان، في زمان واحد، في أعمال كثيرة تعم أبواب الجنة.