في معرفة النفس بفتح الفاء
وهو الباب 198 من الفتوحات المكية
[الرزق إما حلال وإما حرام]
![]() |
![]() |
[59] - [الرزق إما حلال وإما حرام]
ثم إن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل وهو الشرع النوع الواحد يسمى حراما والنوع الآخر يسمى حلالا وهو بقية الله التي جاء نصها في القرآن قال تعالى بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فهذه هي التي بقيت للمؤمنين من قوله خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً والايمان لا يقع إلا بالشرع وجاء هذا القول في قصة شعيب صاحب الميزان والمكيال فهذا علم مستفاد من الإعلام الإلهي والرزاق هو الذي بيده هذا المفتاح فرزق الله عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال وحرام فإن الله يقول وما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها وهو ظاهر لا نص وقال فَذَرُوها تَأْكُلْ في أَرْضِ الله والله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقد نهانا عن التغذي بالحرام فلو كان رزق الله في الحرام ما نهانا عنه فاذن ما هو الحرام رزق الله وإنما هو رزق ورزق الله هو الحلال وهو بقية الله التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير وتحريم بعض الأرزاق علينا ولتعلم من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقة إلا فعل المكلف لا عين الشيء الممنوع التصرف فيه فالكل رزق الله والمتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو فإن الرزاق لا يعطيك إلا رزقك وما يعطي الرزاق لا يطعن فيه فلهذا علق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي حجر عليه تناولها فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها والحرام لا يملك وهذه مسألة طال الخبط فيها بين علماء الرسوم وأما قوله فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالًا طَيِّباً من العامل في الحال فظاهر الشرع يعطي أن العامل رزقكم فإن من هنا في قوله مِمَّا رَزَقَكُمُ الله للتبيين لا للتبعيض فإنه لا فائدة للتبعيض فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله وإذا كانت للتبيين وهي متعلقة بكلوا فبين إن رزق الله هو الحلال الطيب فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق الله فتدبر وانظر ما به حياتك فذلك رزقك ولا بد ولا يصح فيه تحجير وسواء كان في ملك الغير أو لم يكن وهذه إشارة في تلخيص المسألة وهي التي يطلبها الاسم الرزاق فإن المضطر لا حجر عليه وما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه وإنما تناوله للنعيم به وليس الرزق إلا ما تبقي به حياته عليه فقد نبهت خاطرك إلى فيصل لا يمكن رده من أحد من علماء الشريعة فإن الله يقول فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ بعد التحجير وقال إِلَّا ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وذلك هو الرزق الذي نحن بصدده وهو الذي يعطيه الرزاق جعلنا الله من المرزوقين الذين لا يكونون أرزاقا فإن الله أنبتنا من الأرض
نباتا
(وصل)
ثم اعلم أن الحركات في النبات على ثلاثة أقسام وأن الرأس من النبات هو الذي يطلب الحركات فحيثما توجه من الجهات نسب إليها فإذا قابل غيرها كان نكسا في حقه ثم اعتبر العلماء الجهات بوجود الإنسان وجعلوا الاستقامة في نشأته وحركته إلى جهة رأسه فسموا حركته مستقيمة وكل نبات إنما يتحرك إلى جهة رأسه فكل حركة تقابل حركة الإنسان على سمتها تسمى منكوسة وذلك حركة الأشجار وإذا كانت الحركة بينهما يقابل المتحرك برأسه الأفق كانت حركته أفقية فالنبات الذي لا حس له وله النمو حركته كلها منكوسة بخلاف شجر الجنة فإن حركة نبات الجنة مستقيمة لظهور حياتها فإنها الدار الحيوان والنبات الذي له حس على قسمين منه ما له الحركة المستقيمة كالإنسان ومنه من له الحركة الأفقية كالحيوان وبينهما وسائط فيكون أول الإنسان وآخر الحيوان فلا يقوي قوة الإنسان ولا يبقى عليه حكم الحيوان كالقرد والنسناس كما بين الحيوان والنبات وسط مثل النخلة كما بين المعدن والنبات وسط مثل الكمأة فحركة النبات منكوسة ومنها مخلقة وغير مخلقة فالمخلقة تسمى شجرا وهو كل نبات قام على ساق وغير المخلقة يسمى نجما وهو كل نبات لم يقم على ساق بل له الطلوع والظهور على وجه الأرض خاصة وهو قوله تعالى والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ أي ما قام على ساق من النبات وما لم يقم على ساق فتمام الخلق في النبات القيام على ساق فلذلك كان النجم غير مخلق كما جاء في خلق الإنسان ومن خلق من نطفة في قوله تعالى ثُمَّ من مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ويدخل الكل في حكم أعطى كل شيء خلقه فأعطى غير المخلقة خلقها كما أعطى المخلقة خلقها كما أنه من كمال الوجود وجود النقص فيه ولما حكم العلماء على حركة النبات على ما قررناه من الانتكاس ما وفوا النظر حقه بل حركته عندنا مستقيمة فإنه ما تحرك إلا للنمو وما تحرك حيوان ولا إنسان هذه الحركة التي لنموه إلا من كونه نباتا ولا يقال في النبات إنه مختلف الحركات من حيث هو نبات وإنما تختلف الحركات إذا كانت لغير النمو مثل الحركات في الجهات فإن الحركات في الجهات من المتحرك إنما ذلك نسبة إرادة التحرك لذلك الجسم من المحرك وقد يكون المحرك عين المتحرك مثل حركة الاختيار وقد تكون الحركة في المتحرك عن متحرك آخر ولذلك الآخر آخر حتى ينتهي إلى المحرك أو المتحرك بالقصد لما ظهر من هذه الحركات وأما الحركة للزيادة في الأجسام فمن كون الجسم نباتا في حيوان كان أو في غيره فهي حركة واحدة وهي حركة عن أصل البزرة التي عنها ظهر الجسم بحركة النماء فيتسع في الجهات كلها بحسب ما يعطيه الإمداد في تلك الجهة فقد تكون حركته إلى جهة اليمين تعطي نموا أقل من حركته إلى الفوق وكذلك ما بقي وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النشأة تقوم على عجب الذنب
فإذا أظهرت الرجل والساق والفخذ والمقعدة فعن حركة منكوسة وما ظهر من عجب الذنب إلى وجود الرأس فعن حركة مستقيمة وما ظهر في الاتساع عن جهة اليمين والشمال والخلف والأمام فعن حركة أفقية وكل ذلك عندنا حركة مستقيمة وإنما الحركة المنكوسة عندنا كل حركة في متحرك يكون بخلاف ما يقتضيه طبعه وذلك لا يكون إلا في الحركة القهرية لا في الحركة الطبيعية فإذا تحرك كل جسم نحو أعظمه فتلك حركته الطبيعية المستقيمة كحركة اللهب نحو الأثير وجسم الحجر نحو الأرض فإذا تحرك الجسم الناري نحو الأرض والسفل وتحرك الحجر نحو العلو كانت الحركة منكوسة وهي الحركة القسرية فإذا انتهى النمو في الجسم بحيث أن لا يقبله الجسم من الوجه الذي لا يقبله ثم تحرك ذلك الجسم في ذلك الوجه فما حركته حركة إنبات ونمو كالجسم الذي قد تناهي في الطول إلى غايته فيه على التعيين فما له حركة نمو في تلك الجهة فإذا تحرك إلى جهة الطول تحرك بكله لا للطول بل للانتقال من مكانه إلى مكان الطول سفلا أو علوا وانظر فيما حررناه في حركة النبات في أنها ليست بحركة منكوسة فإذا البذرة تمد فروعا إلى جهة الفوق وتمد فروعا إلى جهة التحت وغذاؤها ليس أخذ النبات له من الفروع التي في التحت المسماة أصولا وإنما أخذ النبات الغذاء من البذرة التي ظهرت عنها هذه الفروع ولهذا يحصل اليبس في بعض فروع التحت كما يحصل في الفروع الظاهرة الحاملة الورق والثمر مع وجود النمو والحياة في باقي العروق والفروع كما ينقسم الدم من الكبد في العروق إلى سائر الأعضاء علوا وسفلا فالذي
ينبغي أن يقال في الحركات المعنوية والحسية إنها ثلاث حركات حركة من الوسط وهي التي تعطي ما ظهر عن الأصل الذي منه تنشأ الأجسام الطبيعية وحركة إلى الوسط وهي الإمداد الإلهي وحركة في الوسط وهي ما به بقاء عين الأصل وما من نبات إلا وهو دواء وداء أي فيه منفعة ومضرة بحسب قبول الأمزجة البدنية وما هي عليه من الاستعداد فيكون المضر لبعض الأمزجة عين ما هو نافع لمزاج غيرها فلو كان لعينه لم يختلف حكمه وإنما كان للقابل والقابل نبات كما هو نبات فما أثر بضرره ولا نفعه إلا في نفسه من كونه نباتا وإن كثرت أشخاصه وتميزت بالشخصية وإنما نبهنا بهذا على أعيان أشخاص العالم وما أثر بعضه في بعضه والعين واحدة بالحد الذاتي كثير بالصور العرضية وقد أعلمتك في غير موضع من هو عين العالم الظاهر وأنه غير متغير الجوهر ولمن هو الحكم الذي ظهر به التغيير في هذه العين وأنه مثل ظهور التغيير في صور المرآة لتغيير هيأت الرائي وقد يكون لتغيير المتجليات في أنفسها والمرآة محل ظهور ذلك لعين الرائي فالعماء الذي هو النفس الإلهي هو القابل لهذه الصور كلها فاعلم ذلك والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
![]() |
![]() |





