الفتوحات المكية

في معرفة النفس بفتح الفاء

وهو الباب 198 من الفتوحات المكية

[إن آدم عليه السلام يتنوع في حالاته تنوع الأسماء الإلهية]

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[37] - [إن آدم عليه السلام يتنوع في حالاته تنوع الأسماء الإلهية]

واعلم أن هذه الحقيقة التي جعلته يسمى إنسانا مفردا هي في كل إنسان ولكن كانت في آدم أتم لأنه كان ولا مثل له ثم بعد ذلك انتشأت منه الأمثال فخرجت على صورته كما انتشا هو من العالم ومن الأسماء الإلهية فخرج على صورة العالم وصورة الحق فوقع الاشتراك بين الأناسي في أشياء وانفرد كل شخص بأمر يمتاز به عن غيره كما هو العالم فبما ينفرد به الإنسان يسمى الإنسان المفرد وبما يشترك به يسمى الإنسان الكبير ولما كان آدم أبا البشر كانت منه رقيقة إلى كل إنسان ونسبة ولما كان هو من العالم ومن الحق بمنزلة بنيه منه كانت فيه رقيقة من كل صورة في العالم تمتد إليه لتحفظ عليه صورته ورقيقة من كل اسم إلهي تمتد إليه لتحفظ عليه مرتبته وخلافته فهو يتنوع في حالاته تنوع الأسماء الإلهية ويتقلب في أكوانه تقلب العالم كله وهو صغير الحجم لطيف

الجرم سريع الحركة فإذا تحرك حرك جميع العالم واستدعى بتلك الحركة توجه الأسماء الإلهية عليه لترى ما أراد بتلك الحركة فتفضي في ذلك بحسب حقائقها ولم يكن في الأفلاك أصغر من فلك سماء الدنيا فأسكنه الله فيها للمناسبة ولصغر هذا الفلك كان أسرع دورة فناسب سرعة الخواطر التي في الإنسان فأسكنه فيه من حيث إنه إنسان مفرد خاصة لا من حيث اشتراكه ثم إنه جعل الله له من بنيه في كل سماء شخصا وهو عيسى ويوسف وإدريس وهارون ويحيى وموسى وإبراهيم عليهم السلام فهو ناظر إليهم في كل يوم بما هو أب لهم وهم ناظرون إليه من حيث ما هم في منازل معينة لا من حيث هم أبناء له وهذا الإنسان المفرد يقابل بذاته الحضرة الإلهية وقد خلقه الله من حيث شكله وأعضاؤه على جهات ستة ظهرت فيه فهو في العالم كالنقطة من المحيط وهو من الحق كالباطن ومن العالم كالظاهر ومن القصد كالأول ومن النش‏ء كالآخر فهو أول بالقصد آخر بالنش‏ء وظاهر بالصورة وباطن بالروح كما أنه خلقه الله من حيث طبيعته وصورة جسمه من أربع فله التربيع من طبيعته إذ كان مجموع الأربعة الأركان وأنشأ جسده ذا أبعاد ثلاثة من طول وعرض وعمق فأشبه الحضرة الإلهية ذاتا وصفات وأفعالا فهذه ثلاث مراتب مرتبة شكله وهو عين جهاته ومرتبة طبيعته ومرتبة جسمه ثم إن الله جعل له مثلا وضدا وما ثم سوى هذه الخمسة واختص بالخمسة لأنه ليس في الأعداد من له الاسم الحفيظ إلا هي وهي تحفظ نفسها وغيرها بذاتها وهو قوله تعالى ولا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما فثنى وهو قولنا تحفظ نفسها وغيرها فأما كونه ضدا فبما هو عاجز جاهل قاصر ميت أعمى أخرس ذو صمم فقير ذليل عدم وبما هو مثل ظهوره بجميع الأسماء الإلهية والكونية فهو مثل للعالم ومثل للحضرة فجمع بين المثليتين وليس ذلك لغيره من المخلوقين فهو حي عالم مريد قادر سميع بصير متكلم عزيز غني إلى جميع الأسماء الإلهية كلها والأسماء الكونية فله التخلق بالأسماء فله حالات خمس يقابل بها كل ما سواه بحسب ما ينظرون إليه إذ هو الكلمة الجامعة وأعطاه الله من القوة بحيث إنه ينظر في النظرة الواحدة إلى الحضرتين فيتلقى من الحق ويلقي إلى الخلق فمنهم الناظر إليه من حيث شكله فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالشكل ومنهم الناظر إليه من حيث طبيعته فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالطبع كما يمده الحق في شكله من اسمه المحيط وفي طبيعته من حياته وعلمه وإرادته وقدرته ومنهم من ينظر إليه من حيث جسمه فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالجسم كما يمده الحق من حضرته بما يظهر في ذاته وصفاته وأفعاله ومنهم الناظر إليه كفا حالا منازعة فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالمكافحة كما يمده الحق من اسمه البعيد والمعز إن كان ذليلا والمذل إن كان‏

عزيزا ومنهم الناظر إليه من حيث إنه مثل له في المرتبة فإنه بالمرتبة كان خليفة وقد شورك فيها فقال هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الْأَرْضِ وقال يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فهم نواب الحق في عباده فيمدهم من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بتلك المثلية كما يمده الحق من صورته بجميع أسمائه وليس إلا هذه‏


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!