الفتوحات المكية

في معرفة النفس بفتح الفاء

وهو الباب 198 من الفتوحات المكية

[الحياة العقلية]

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[22] - [الحياة العقلية]

وأما الذي تعطيه من أنفاس العالم فهو ما تقع به الحياة في الأجسام الطبيعية من نمو وحس لا غير ذلك وكل نفس غير هذا فما هو من الطبيعة بل علته أمر آخر وهي الحياة العقلية حياة العلم وهي عين النور الإلهي والنفس الرحماني ثم لتعلم أن مسمى النفس من هذه الحقيقة الوجودية لا يكون إلا إذا كانت للرحمن وما يماثله من الأسماء الإلهية وقد تكون حقيقة لأسماء أخر تقتضي النقيض فلا تكون عند ذلك نفسا من التنفيس في حق ذلك الكائن منه فهو وإن كان حقيقة فكونه نفسا باعتبار خاص يقع به التنفيس إما في حق من ينفس الله عنه من الكائنات ما يجده من الضيق والحرج وإما في حق من هو صفته من حيث نفوذ إرادته وأما إذا لم ينظر من هذه الجهة فهو عبارة عن حياة من وصف به من حيث حقيقته لا غير أ لا ترى النفس الحيواني يرفع وجوده فيه اسم الموت به سمي نفسا فإن الموت صفة مكروهة من حيث الألفة المعهودة إذ كان الموت مفرقا فيكون مكروها عنده فإذا نظر من يلقاه في ذلك الموت وهو الله فيكون تحفة عند ذلك ويكون اسم النفس به أحق في هذا الشهود ولما كان لها وجود أعيان الصور لهذا كان لها من الحروف العين المهملة لأن الصورة الطبيعية لا روح لها من حيث الطبيعة وإنها روح للصور الطبيعية من الروح الإلهي وكان لها وجود الثريا وهي سبع كواكب لأن الطبيعة في المرتبة الثالثة وهي أربع حقائق كما تقدم فكان من المجموع سبعة وظهرت عنها الثريا وهي سبعة أنجم كما كان للعقل ثلاث نسب ووجوه فوجدت عنه الكثرة التي ذكرها بعض أهل النظر في سبب صدور الكثرة عن العقل الأول مع كونه واحدا فكان الشرطين ثلاثة أنجم والنفس مثل العقل في ذلك فكان البطين ثلاثة أنجم ومن كون النفس ثانية كان البطين في المرتبة الثانية من الشرطين وعن هذه السبعة التي ظهرت في الطبيعة ظهرت المسبعات في العالم وهي أيضا السبعة الأيام أيام الجمعة اعتبر ذلك محمد بن سيرين رحمه الله جاءته امرأة فقالت له أريت البارحة القمر في الثريا فقال أنا قمر هذا الزمان في هذه البلدة والثريا سبعة أنجم وبعد سبعة أقبر فإن الثريا من الثرى وهو اسم للأرض فمات إلى سبعة أيام فانظر ما أعجب هذا وبينا أنا أقيد هذه المسألة من الكلام في الطبيعة إذ غفوت فرأيت أمي وعليها ثياب بيض حسنة

فحسرت عنها ذيلها إلى أن بد إلى فرجها فنظرت إليه ثم قلت لا يحل لي أن أنظر إلى فرج أمي فسترته وهي تضحك فوجدت نفسي قد كشفت في هذه المسألة وجها ينبغي أن يستر فسترته بألفاظ حسنة بعد كشفه قبل إن أرى هذه الواقعة فكانت أمي الطبيعة والفرج ذلك الوجه الذي ينبغي ستره والكشف إظهاره في هذا الفصل والتغطية بذلك الثوب الأبيض الحسن ستره بألفاظ وعبارات حسنة ثم إني أيضا كما أنا في كلامي على الطبيعة في هذا الفصل أخذتني سنة فرأيت كأني على فرس عظيم وقد جئت إلى ضحضاح من الماء أرضه حجارة صغار فأردت عبوره فرأيت أمامي رجلا على فرس شهباء يعبر وإذا فيه مثل الساقية عميقة مردومة بتلك الحجارة لا يشعر بها حتى يغرق فيها وإذا بذلك الفارس قد غرق فيها فرسه وقد نشب إلى أن وصل الماء إلى كفل فرسه ثم خلص إلى الجانب الآخر فنظرت من أين أعبر فوجدت مبنيا عليه مجازا ذا أدراج من الجهتين للرجالة لا يمكن للفرس أن يصعد عليه فيصعد فيه بإدراج متقاربة جدا وأعلاه عرض شبر وينزل من الجانب الآخر بإدراج فركضت جنب فرسي والناس يتعجبون ويقولون ما يقدر فرس على عبوره وأنا لا أكلمهم ففهم الفرس عني ما أريده منه فصعد برفق فلما وصل إلى أعلاه وأراد الانحدار توقف وخفت عليه وعلى نفسي من الوقوع فنزلت من عليه وعبرت وأخذت بعنانه وما زال من يدي فعبر الفرس وتخلصنا إلى الجانب الآخر والناس يتعجبون‏

فسمعت بعض الناس يقولون لو كان الايمان بالثريا لنالته رجال من فارس‏

فقلت ولو كان العلم بالثريا لنالته العرب والايمان تقليد فكم بين عالم وبين من يقلد عالما فقالوا صدق فالعربي له العلم والايمان والعجم مشهود لهم بالإيمان خاصة في دين الله ورددت إلى نفسي فوجدتني في مسألة في الطبيعة تطابق هذه الرؤيا فتعجبت من هاتين الواقعتين في هذا الفصل ونظرت في كواكب المنازل من كوكب واحد كالصرفة إلى اثنين كالذراع إلى ثلاثة كالبطين إلى أربعة كالجبهة إلى خمسة كالعوا إلى ستة كالدبران إلى سبعة كالثريا إلى تسعة كالنعائم ولم أر للثمانية وجودا في نجوم المنازل فعلمت أنه لما لم تكن للثمانية صورة في نجوم المنازل لهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش أو يكون معلولا لا ينتفع بنفسه فإنه شهر يغلب على الجنين فيه برد ويبس وهو طبع الموت وله من الجواري كيوان وهو بارد يابس فلذلك لم أر للثمانية وجودا في المنازل ثم علمت أن السيارة لا نزول لها ولا سكون بل هي قاطعة أبدا وقد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة وقد يكون فوقها وتحتها على الخلاف الذي في حد المنزلة ما هو فسميت منزلة مجازا فإن الذي يحل فيها لا استقرار له وإنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحته فراعى المسمى ما يراه البصر من ذلك فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلا بعد المفارقة فبذلك القدر يسميها منزلة لأنه حظ البصر فغلبه‏


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!