=-سبحانه- الَّذي عَلِم وعَلَّم، والحاكمُ الَّذي حَكَمَ وحَكَّمَ، والقاهرُ الَّذي قَهَرَ وأقْهَرَ، والقادِرُ الَّذي قدَّر (أي أعطى القدرة للعبد) وكسَّب (أي نسب الكسب للعبد مع أنّ حقيقة القدرة لله تعالى) و(هو تعالى في ذٰلك) لم يَقْدِر (أي لَم يَبْخَل أو يُقْتِر).
(وهو) الباقي الَّذي لم تَقُم به صفةُ البقاء (فليست شيئاَ زائداَ على ذاته سبحانه وتعالى)، والمقدَّسُ عند المشاهدة عن المواجهة والتِّلقاء (لأنه تعالى غير محدود بمكان أو زمان)؛ بل العبد في ذٰلك الموطِن الأنزه لاحِقٌ بالتنْزيه، لا أنَّه سبحانه وتعالى في ذٰلك المقام الأنزه يَلحقُه التَّشبيه؛ فتزول من العبد في تلك الحضرة الجهاتُ، وينعدمُ عند قيامِ النَّظرة به منه الالتفاتُ.
أحمدُه حمدَ من علِم أنّه سبحانه علا في صفاته وعلَّى، وجلَّ في ذاته وجلَّى، وأنَّ حجابَ العزَّة دون سُبُحاتِه مُسدَلْ، وبابَ الوقوف على معرفة ذاته مُقفلْ؛ إن خاطب عبدَه فهو المُسمِعُ السَّميعُ، وإن فُعل (أو: هُوَ فَعل) ما أَمَرَ (هُوَ) بفعله فهُوَ المُطاعُ المُطيعُ؛ ولَمَّا حيَّرتني هذه الحقيقة (التي لا نرى معها فعلاً أو أثراً للعبدِ) أنشدت على حكم الطريقة (بالأسلوب الرَّمزي) للخليقة:
الربُّ حقٌّ، والعبدُ حقٌّ *** يا ليت شعري: من المكلَّف ؟
إن قلتَ "عبدٌ"، فذاك ميت ! *** أو قلتَ "ربٌّ"؛ أنَّى يُكلَّف !
فهُوَ سبحانه يُطيع نفسَه إذا شاء بخلقه، ويُنصف نفسَه مما تعيَّن عليه من واجبِ حقِّه.
فليس (العالَمُ) إلا أشباحٌ خاليةٌ=
[الجزء الثاني من الفتح المكي]