المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
349. الموقف التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة
قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾[ آل عمران: 3/102].
ما قاله المفسرون في الآية مشهور. ونحن نقول من باب الإشارة: اعلم أن الله تعالى أمر المؤمنين الذين ليس لهم علم نظري ولا كشف رباني أن يفردوا الله اعتقاداً بالضر والنفع والعطاء والمنع، وهو معنى (اتقوا الله حقّ تقاته) قال لحارثة: «إن لكل حق حقيقة». لما قال له حارثة: أصبحت مؤمناً حقاً. وحقيقته اتقاء الله حق تقاته هو أن يتقي منه به، لا يتقي به من غيره، ولا يتقي منه بغيره، كم قال السيد الكامل صلى الله عليه وسلم : «أعوذ بك منك». وقال:«لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك».
فالمتقي الله حق تقاته لا يرى غيرا وسوى يتقى منه أو به، ولا يرى ضاراً ولا نافعاً إلا الله تعالى إذ ما ثم إلا مظاهر أسمائه وتعينات صفاته، وإن كان الله تعالى حذرنا من مظاهر الشر والضر وأمرنا باتقائه كما قال:«اتقوا النار» وحذرنا من الشيطان وأمرنا بالاستعاذة بالله منه، فليس المراد من ذلك أن نجعله كالمقابل لله تعالى المضاد له كماعليه الجهلة بالله تعالى فإن هذا شرك ول سيّما القدرية. روي أنه اصطحب مجوسي وقدري في سفر فقال القدري للمجوسي: مالك ل تسلم: فقال المجوسي: إذا أذن الله في ذلك كان. فقال له القدري: إن الله قد أذن إل أن الشيطان لا يتركك تسلم. فقال له المجوسي: أنا مع أقواهما!! فليس كلّ من قال: ( أعوذُ بالله) استعاذ ولا تحصن بالله ولا به لاذ، حتى يعلم أنّ الله أنّ المستعاذ به هو المستعاذ منه، لجمعه الأسماء المتقابله، كالضار والنافع والمعطي والمانع. فالمتقي الله حقّ تقاته لا يرى في الوجود إلاّ الله ومظاهره وتعيناته، فيتقي بأسماء الجمال والرحمة من أسماء الجلال والنقمة قال تعالى:﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾[آل عمران: 3/175].
أي لا تخافوهم من حيث أنهم سوى وأغيار وخافون منهم، فإنهم مظاهر أسمائي الجلالية القهرية. إذ لا بد لأسماء القهر والانتقام من مظاهر، كما أنّه لا بد لأسماء الرحمة والخير واللطف من مظاهر يخلق الله عندها وبها ما يشاء من قهر أو رحمة. فهي كالآلات، والله غني عن العالمين.
![]() |
![]() |





