الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


345. الموقف الخامس والأربعون بعد الثلاثمائة

لا تعجبوا من حديث جل عن عجب

حقيقي قولي بلا لغو ولا كذب

ولدت جدي وجدتي وبعدهم

 

أبي تولد عن أمي وأيّ أب

وبعد ذا ولدوني بعد كوني أن

ووالدي البر توأمان في صلب

وكنت من قبل في الحجور ترضعني

 

بطيب ألبانها الأمات لا ترى

وليس يدري الذي أقول غير فتى

قد جاوز ا لكون من عين ومن رتب

سألني بعض إخواني إيضاح هذه الأبيات فأجبته باختصار: ولدت جدي من حيث أن كل شيء كان سبباً أو شرطاً في ظهور شيء كان أباً له من ذلك الوجه. وقد يكون الابن عين الأب لكونه له عليه ولادة من وجه، وقد يكون الأب عين الإبن كذلك ومن هذا المقام يقول ابن فارض (رضي الله عنه):

وإنّي وإن كنت ابن آدم صورة

 

فلي فيه معنى شاهدٌ بأبوتي

وقول الحلاج (رضي الله عنه) :

ولدت أمي أباه

إنَّ ذا من أ عجوباتي

وأبي طفل صغير

 

في جحور المرضعات

الأبيات... فكل من لك عليه ولادة من أي نوع في أي صورة كان من ظاهر وباطن واسم إلهي ومخلوق فهو ابنك. وكل من له عليك ولادة من أي نوع وفي أي صورة كان من ظاهر وباطن واسم إلهي ومخلوق فهو أبوك. وايضاً من حيث أني صورة الحقيقة الجامعة التي هي حضرة أحدية الجمع والوجود فإن هذه الحضرة صورتها الإنسان المخلوق على الصورة الإلهية، وكل إنسان مخلوق على الصورة حالة حجابه وكشفه وإن لم يكن إنساناً كاملاً بالفعل فهو إنسان بالصورة والقوة والصلاحية، صالح لأن يكون كاملاً بالفعل متهيئاً لذلك إذا حفته العناية الربانية، وإن كان ماهو بالفعل أكمل مما هو بالصلاحية، ولذا قال بعض السادة: شرف الإنسان ذاتي نظراً إلى خلق الله إياه بيديه، ولم يجمع ذلك لغيره من المخلوقين، وقال : إنه خلقه على صورته.

والمراد بالجد الهبأ الكل، فإن حضرة الجمع والوجود المختصة بالإنسان الكامل في مرتبة الأبوة حيث كان الهبأ من جملة المراتب التي عينتها مرتبة الإنسان الكامل، فهي باعتبار تأثيرها في الهبأ أب، إذ مرتبة الإنسان الكامل أول المراتب فنسبة أثرها إلى ما تحتاها من المراتب نسبة الذكورة إلى الأُنوثة، فإن للمؤثر درجة الذكورة وللمؤثر فيه درجة الأنوثة، وذلك أن الحق تعالى لما أراد وجود العالم وبدءه على حد ما علمه، فإنه لما علم نفسه علم العالم من علمه بنفسه انفعل من تلك الإرادة بضرب تجلّ من التجليات إلى الحقيقة الكلية، التي هي الحقيقة الإنسانية، فانفعل عنها حقيقة الهبأ. فهو أول موجود في العالم من الحقيقة الإنسانية الكلية، والعالم كله في الهبأ بالقوة، فهو كالظرف لكل ما سواه تعالى. حيث أن العالم متحيز ولابد للمتحيز من مكان، فإذا كان المحل مخلوقاً دخل في حكم العالم، ولابد له من مكان فيتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى محل حكمي، لا يقال فيه حق ولا خلق، لأن الحق ليس بظرف لغيره، ك ما أن غيره لا يكون ظرفاً له، فكان الهبأ ظرفاً للعالم حكماً كظرفية العلم للمعلومات، فإن المعلوم في العلم حكماً فهو مكان متوهم. ولما خلقه الله بمعنى قدر خلقه جوهراً مظلماً فتجلى عليه تعالى من اسمه النور، فانطبع بالنور، فكان على صورة العالم فهو العالم الكبير البسيط، وهو جوهر معقول لا يدرك بالحس، وإنم تدرك الصور الظاهرة فيه لا هو، وليس هذا هو الجوهر الذي أدركته الحكماء والنظار من المتكلمين، وسموه بالهيولي وجعلوا مرتبته تحت مرتبة الطبيعة التي هي تحت النفس الكلية، فإن الهيولي عندهم خاص بالصورة الطبيعية والعنصرية، والهباء الذي كلامن فيه عام للصور مطلقاً معنوية وروحانية وجسمانية وخيالية جسدانية وطبيعية وعنصرية وبسيطة ومركبة، وهذا الجوهر الهبائي لا عين له في الوجود العيني مجرداً من الصورة، وإنما تظهره الصور، ولهذا قلنا إنه مولد لنا على الاحتمال الأول. وأما الهيولي عند الحكماء فيعنون به الجوهر القابل للصور الطبيعية، العرش والكرسي وفلك البروج وفلك الثوابت، والصور العنصرية، وهي السموات السبع والأرضون السبع، وما بينهما من جماد ونبات وحيوان وإنسان وملك، ويصفونه بما وصف به أهل الله الهباء، وأنه في كل صورة بجوهره ولا يتجزأ ولا ينقسم ولا يتعدّد في حدّ ذاته. فهو يقبل الصور بجهره وهو على أصله معقول، ولا تقوم صورة أي صورة من صور العالم، إلاَّ في هذا الجوهر، وزادو القول بقدم الهيولى، وهذا مما كفروا به.

و(جدتي) أي وولدت، والمراد بها الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله ومواده أعلاه المعنوي  والروحاني، وأسفله الجسماني. فهي فعالة للصور كلها معنوية وروحانية وجسمانية ومثالية خيالية، وما ظهر أثر لطبيعة إلاَّ بنا، أعني بالصور، فنحن أظهرناها فلنا فيها أثر فإنها من حيث ذاتها وحقيقتها أمر معقول، لا عين لها في الوجود العيني، وإنما ظهرت آثارها بنا، وأيضاً الطبيعة من أمهات الحقائق التي عينها التعيين بالأول، حضرة الإنسان الكامل، فهي أثره، فله درجة الذكورة. وكل مؤثر أب وكل مؤثر ابن ومتولد. ثم اعلم أن الصور التي تفعلها الطبيعة الك لية علوية حقيقية، وهي الأ سماء الإلهية، وعلوية إضافية وسفلية، فأما العلوية الإضافية فهي صور الأرواح العالية العقل الأول والمهيمون والنفس الكلية وما دة هذه الصور النور، ومنها صور عالم المثال المطلق والمقيد. وأمَّا السفلية فم نها صور عالم الأجسام غير فالعنصرية العرش والكرسي والأطلس والمكوكب ومادتها الجسم الكل؛ ومنها صور العناصر والعنصريات والصور الهوائية المارجية، ومادة هذه الصور المارجية الهواء والنار وما اختلط من الثقلين الباقيين من الأركان المغلوبين، ومنها الصور السفلية حقيقة، وهي ما غلب في نشئها الثقلان وهم التراب والماء، على الخفيفين وهما النار والهواء، وهي ثلاث صور جمادية ونباتية وحيوانية. وكل عالم من هذه العوالم يشتمل على صور شخصية لا تتناهى ولا يحصيها إل خالقها تعالى. ثم اعلم أن الطبيعة الكلية من الأمر الإلهي بمنزلة المرأة من الرجل، لأن المرأة محل أعيان الأبناء، كذلك الطبيعة للأمر الإلهي محل ظهور أعيان الموجودات من العالم كله، فيها ظهرت وعنها تكونت، فأمر بلا طبيعة لا يكون شيئاً، وطبيعة بلا أمر لا تكونُ شيئاً، فالتكوين متوقف على الأمر والطبيعة، والعماء الذي هو أول صورة قبلها النفس الرحماني هو صورة من صور الطبيعة، فهو الجسم العام الطبيعي. فبالطبيعة ظهر كل ما سوى الله تعالى من لطيف وكثيف ومحسوس ومعقول وأعراض وأشكال وبسائط ومركبات مما هو موصوف بالوجود، فانظر في حكم الطبيعة الكلية وعمومه، وإن خفيت عن العقلاء من الحكماء فلم يثبتوها في العالم البسيط وأثبتوها في العالم المركب، وجعلوا مرتبة الطبيعة دون النفس الكلية وفوق الهيولي، يعنون بها الطبيعة التي ظهرت بحكمها في الأجسام فقط، العرش وما حواه، فهي قوة من قوى النفس الكلية س رية في الأجسام السفلية، والأجرام العلوية فاعلة لصورها المنطبعة في المواد الهيولانية، فهي بالنسبة إلى الطبيعة الكبرى نسبة البنت إلى المرأة التي هي الأم، وكذلك جعلوا مرتبة الهيولي عندهم دون الطبيعة وفوق الجسم الكل، وجعلوا الجسم الكل دون الهيولي وفوق الشكل الكل، وهذا خلاف ما قدمناه عن أهل الله، وذلك لعدم شهودهم الأشياء على ما شهدها أهل الكشف الصحيح. وإنما كان الهباء جدي والطبيعة الكبرى جدتي، لأن أبي الروح الكل، وأمي الطبيعة الصغرى متولدان عنهما، ومن آثارهما.

وبعدهما أبي تولد عن أمي وأي أب، المراد بأبي الروح المنفوخ منه في الجسام الطبيعية والعنصرية، وإنّما كان أبي لأنني روح جزئي من الروح الكل، وأمي هي الطبيعة الصغرى التي هي بمنزلة البنت للطبيعة الكبرى. ووجه تولد أبي عن أمي هو أن هذه الطبيعة البنت مختصة بالصور الجسمانية كما قدمنا، وحيث أثرت هذه الطبيعة البنت وفعلت الصور والمحال التي ظهر فيها الروح الكل بجزئيات الأرواح التي ما هي غيثره ولكن في معرض التعليم لا نقول إلاَّ هذا، فإن العقول من حيث هي عقول نقصر عن إدراك ما وراء ما نقول، إن قلنا غير هذا، فقد تولد أبي الروح عن أمي الطبيعة الصغرى باعتبار ظهوره بها، فإنها شرط في ظهوره، وكل من كان له دخل في تولد شيء وظهوره فذلك الشيء ابن ومتولد عنه من ذلك الوجه كان تقدم بيانه موضحاً.

فالطبيعة الكبرى التي ما عرفها العقلاء وعرفها أهل الله بمنزلة الجد، والطبيعة الصغرى أم، كما كان اله باء الذي ما عرفه العقلاء من الحكماء وعرفه أهل الله جداً بالنسبة إلى الهيولي المختصة بالأجسام، وأول ما ظهر فيها الجسم الكل الذي ظهر فيه الشكل الكل، وبعد ذا ولد، وفي أي بعد حديث ما تقدم نكح أبي الروح الكل أمي الطبيعة الصغرى فتولدت بينهما باعتبار كوني روحاً جزئية، وكان لكل من الجد والجدة والأب والأم دخل ونصيب في ولادتي، كل بما يناسبه ، إذ لكل واحد منهم أثر في ولادتي وظهور يبعد كوني أن والدي البر توأمان في صلب الوالد البر الروح الكل، توأمان جمعنا صلب الجد الهباء ورحم الجد الطبيعة الكبرى، إذ كان لي باعتبار أني روح جزئية، ولوالدي الروح الكل المنفوخ منه في صورتي في صلب الجد ورحم الجدة، وكنت من قبل في الجحور ترضعني بطيب ألبانها الإمات. لا ترب أي كفلته قبل ولادتي وظهوري في هذه الصورة الإنسانية بين أبي الروح وأمي الطبيعة الصغرى لي صورته في كل مرتبة من مراتب الاستيداع كما قال تعالى ـ: «ومستودع» وذلك من حين إبراز الإرادة ال إلهية لعيني الثابتة من حضرة العلم و تخصيصها لي بالإيجاد من بين الممكنات في حضرة الإمكان إلى القدرة، ثم إلى مرتبة الطبيعة الكبرى، ثم إلى الهباء الكل، ثم إلى العقل الأول الذي هو القلم، ثم إلى النفس الك لية التي هي اللوح المحفوظ، ثم إلى الطبيعة الصغرى المختصة بالأجسام، ثم إلى الهيولي، ثم إلى الجسم الكل ا لظاهر في العرش، ثم إلى العرش، ثم إلى الكرسي، ثم إلى الفلك الأ طلس، ثم إلى الفلك المكوكب، ثم إلى السموات السبع، سماء بعد سماء، ثم إلى العناصر الأربعة النار والهواء والماء والتراب، ثم إلى المولدات الثلاث الجما د و النبات وا لحيوان إلى حين استقراري بصفة صورة الإنسان عندما تولتني الأم والأب. فإن من شأن الأمر الإلهي كلما سوت الطبيعة صورة نفخ فيها روح تتولى تدبيرها بحسب مرتبة تلك الصورة وقابليت ها، غير ذلك لا يكون. وهل الصورة متقدمة أو تميز الروح متقدماً أو هما متلازمان؟ الكل محتمل، وقيل به. فالصورة الإنسانية هي أدنى صورة قبلها الإنسان، وقد أتت عليه أزمنة ودهور قبل أن يظهر في هذه الصورة الآدمية هو يتقلب في الصور التي له في كل مرتبة ومقام مما قدمناه، فمدة كون الإنسان متنزلاً فهو في حجور مرضعات ينصبغ في كل مرتبة بصبغة قوتها، فتكون تلك القوى في مرتبة الأمهات المرضعات المربيات

انتهى المجلد الثاني من كتاب المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف ويليه المجلد الثالث


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!