المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
325. الموقف الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[الأنبياء: 21/30].
أخبر تعالى أنه جعل بإرادته وقدرته كلّ شيء حي من الماء، والجعل هن بمعنى التصيير، أي صيّر الماء على صورة لم يكن عليها، ولذا تعدّى إلى مفعولين والمراد: صورة كلّ شيء لا روحه، فإنّ روح كلّ شيء من نفس الرحمن، والمراد بالشيء هن الموجود، لا الشيء المعدوم، فإنَّه لم يتعلق به جعل، فكل شيء حي من الماء، وكل شيء حي، فإن كل شيء مسّبح لله تعالى ولا يسّبح إلاَّ حي عالم بمن يسّبح وبم يسّبح: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾[الإسراء: 17/44].
فالحياة لازمة للوجود اللزوم البين، فكل موجود حي بحياة حسب استعداد صورته ومرتبته، فالأعراض حية بحياة حسب استعدادها، إذ الأعراض موجودة فإن حقيقة العرض هو ما لو وجد لكان في موضوع. فالأعراض حية بحياة مستقلة غير حياة موضوعاتها، وكذلك الأشكال والهيئات والأقوال والأعمال. وقد ورد في الأخبار الصحيحة: أن الأعمال تكون صوراً تخاطب صاحبها، وأنها تؤنس صاحبها في القبر إن كانت أعمالاً صالحة، وتوحشه إن كانت سيئة، والحياة وإن كانت حقيقة واحدة وهي حياة الله لا غيره والأشياء حية بها فظهورها في الصور متنوع، فتختلف لاختلاف قبول الصور للحياة، فحياة المسمّى عرضاً غير حياة المسمى جوهراً، غير حياة المسمى جماداً أو نباتاً أو حيواناً أو إنساناً. فما في العالم إلاَّ حي، لكن من العالم من بطنت حياته، ومن العالم من ظهرت حياته.
ثم اعلم أن هذا الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ماهو الماء المحسوس الذي هو أحد أركان الطبيعة، الذي طبعه البرودة والرطوبة، وإنّما هو ماء نهر الحياة الطبيعية الذي هو فوق الأركان، وهو الذي ينغمس فيه جبريل (عليه السلام) كل يوم غمسة، وينتفض فيخلق الله من كلّ قطرة ملكاً، كما ورد في الخبر النبوي. وهو النهر الذي يلقى فيه من يخرج من النار بالشفاعة فينبتون كما ورد في صحيح البخاري. ونهر الحياة عبارة عما ورد في الخبر: ((أول ما خلق الله جوهرة فنظرها بعين الجلال، فذابت حياء عندما تحققت نظرة، فسالت ماء أكنّ فيه جواهر علمه ودرره))..... الحديث، وورد بروايات أخر، وكلها كناية عن الحقيقة المحمدية التي هي هيولى العالم وحقيقة حقائقه ومادة كل ما سوى الله تعالى ـ. والماء المحسوس صورة من صور. هذا الماء المذكور في الآية، كما أن باقي الأركان الطبيعية صور من صوره. ومجموع الأركان الأربعة من حيث معاني صورها هو الطبيعة العليا، وهو الماء، الذي جعل منه كل شيء حي، وهو موجود في كل ركن من الأركان الأربعة المحسوسة، فركن النار فيه: ماء ونار وهواء وتراب، وركن الماء فيه: نار وماء وهواء وتراب، وقس على هذا. وليس عندنا إلاَّ صورة طبيعية أو عنصرية، والعناصر صور طبيعية، والصور الطبيعية صورة العرش والكرسي وفلك البروج وفلك الثوابت، فهي لا تقبل الفناء والاضمحلال، فإن الله خلقها للبقاء، وكذا صور أهل الجنة في الجنة، فالطبيعة عبارة عن الأركان الأربعة إذا تألفت تألفاً خاصاً حسب ما يناسب ذلك الائتلاف بتقدير العزيز العليم، فلذلك اختلف صور العالم لاختلاف ذلك المزاج، فأعطى كل صورة في العالم بحسب ما اقتضاه مزاجه. وصور سائر العالم عنصرية، فلذا قبل الانحلال والفناء، وصور أهل النار عنصرية، فلذا قبلت النضج والاحتراق وتبديل الجلود، وكذا صور الملائكة كلهم عنصرية، فجبريل وميكائيل وغيرهم من ملائكة السموات والأرض، ما عدا الأرواح المهيمة و العقل الأول والنفس، كله طبيعية عنصرية، «أفلا يؤمنون» بحياة كل شيء وإن بطنت حياته عنهم كالجماد والنبات، وقد أخبرناهم بذلك في قولنا: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾[الإسراء: 17/44].ولا يسبح إلاَّ حي.
![]() |
![]() |





