المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
310. الموقف العاشر بعد الثلاثمائة
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾[العنكبوت:29/45].
في هذه الآية ثلاث بشائر للمصلّين، الأولى أنها تنهي فاعلها عن الفحشاء، وهو كلّ مانهى الشارع عنه، وع ن المنكر، وهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة قولاً أو فعلاً، والمعروف ضدّه. وذلك أن لها تحريماً وهو التكبيرة الأولى، وتحليلاً وهو السلام. وهي فيما بين ذلك مشتملة على تلاوة وركوع وسجود وتسبيح وتكبير وتحميد. واجتمع فيها المشاهدة والمناجاة. فما فيها محل للاشتغال بالفحشاء والمنكر ظاهراً وباطناً، ولذكر الله فيها، وهو القرآن أكبر من جميع ما اشتملت عليه. فكما يقال: كتاب الله، وكلام الله؛ يقال ذكر الله. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَ الذِّكْرَ﴾[الحجر: 15/9].
قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾[طه:20/124].
قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾[الشعراء:26/5].
قال:﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾[الأنبياء:21/2].
وإنما كان ذكر الله، وهو كلامه، أكبر، لأن كلامه عين ذاته، ولا أكبر منه تعالى.
البشارة الثانية: أنَّ عاقبة المصلي لا تكون إلاّ خيراً، ولا يموت إلاَّ على توبة، ولو كان على سبيل مكروه، تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر. ففي الصحيح: ((أنَّ فتى من الأنصار، كان يحضر الصلوات الخمس مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا يدع شيئاً من الفواحش إلاَّ ركبه، فوصف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: ستنهاه صلاته)). فكان كما قال: تاب وحسنت توبته.
البشارة الثانية: «الله أكبر»، ذكر الله تعالى عبده والإقبال عليه مع الرضى. فذكر الله هنا من إضافة المصدر إلى فاعله، بيّن ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه عن ربّه، كما ورد في الصحيح:
((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم، فيقول الله: أثنى عليَّ عبدي يقول العبد: مالك يوم الدين، فيقول الله: مجّدني عبدي)). وفي رواية: ((فوّض إليَّ عبدي، يقول العبد: إياك نع بد، وإياك نستعين، فيقول الله: هذا لعبدي: ولعبدي ما سأل)).
![]() |
![]() |





