الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


296. الموقف : السادس والتسعون بعد المائتين

قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾[الإسراء: 17/ 33].

اعلم أن كثيراً من العلماء يتعجبون من عدم اجتماع المسلمين على علي (عليه السلام) ومن نصرة خال المسلمين معاوية (رضي الله عنه) ومابان لهم وجه الحكمة في ذلك، من أنَّ معاوية (رضي الله عنه) ليس له لا من السابقة في الإسلام ما لعلي (عليه السلام) ولا له علم كعلمه، ولا زهد كزهده، ولا ورع كورعه، ولا شجاعة كشجاعته، ولا قرابة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كقرابته، ول منقبة كمناقبه، حتى إن بعض الصحابة، منهم سلمان الفارسي، وأبو ذر، والمقداد، وخباب، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وبعض التابعين وأتباع التابعين، وبعض الأئمة كسفيان... إلى هلم جرّا، يفضلون عليّاً (عليه السلام) عَلَى الصِّديق (رضي الله عنه) فأخبرتهم أنَّه لا يمكن لأحد من المسلمين مِمّن في عصر علي أن يخالف في أفضلية عليّ (عليه السلام) وأحقيته بالأمر، من جميع الموجودين في ذلك الوقت، ولا يخالف في ذلك معاوية نفسه، ولا ينكره (رضي الله عنه) وما ينقله بعض كذبة المؤرخّين المتعصّبين فهو افتراء عليه (رضي الله عنه) وإنما كان ماكان، وحصل ما حصل لكون قتلة عثمان (رضي الله عنه) المتمالئين على خلعه وقتله كانو مؤلّفين من أكثر قبائل العرب. ولما أفضلت الخلافة إلى عليّ (عليه السلام) اختلطوا بعشائرهم. وكان عشائرهم أكثر أتباع عليَّ (عليه السلام) فحملتهم عشائرهم للعصبية المعروفة عند العرب، حتى إنه نقل أن عليَّاً (عليه السلام) قال يوماً في جيشه: «ليقم قتلة عثمان» فقام الجيش كلّه إلاَّ بعض أفراد فرأى (عليه السلام) أن القود في ذلك الوقت غير ممكن فما تخلف من تخلف عن عليَّ (عليه السلام) إلاَّ كراهية الاجتماع مع قتلة عثمان (رضي الله عنه) ـ، ول انتصر معاوية (رضي الله عنه) إلاَّ على قتلة عثمان (رضي الله عنه) لا على عليّ (عليه السلام) فإن الله تعالى وعد المقتول ظلماً بالنصر. ومعاوية (رضي الله عنه) ماكان يطلب أولاً في الظاهر، والله يتولّى السرائر، إلاَّ دم عثمان من قتلته، وهو وليّه، وإن كان يوجد من هو أقرب منه قرابة، ولكن رأى معاوية (رضي الله عنه) من هو أقرب منه عاجزاً عن طلب دم عثمان، فكان مجتهداً مخطئاً له أجر واحد.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!