الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


238. الموقف الثامن والثلاثون بعد المائتين

قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾[ النحل: 16/53].

أي ما من نعمة متلبسة بكم منسوبة إليكم بالمجاز إلاَّ وهي صادرة من الله تعالى راجعة إليه بالحقيقة، فإنَّ أعظم نعمة على كل موجود وجوده، وتوابع وجوده وإمداده بما به بقاء وجوده. والكل من الله وإلى الله حقيقة. وما يقال فيه مخلوق وسوى وغير مجازاً، فالوجود المنسوب إلى المكوّنات، المفاض على المخلوقات، هو وجوده تعالى مفاض منه عليها، لا كالإفاضة المعروفة، فإن ذلك محال على الوجود الواجب القديم، والحياة المنسوبة إلى كل حيّ هي حياته تعالى لا غيرها، والعلم المنسوب إلى كل عالم هو علمه تعالى لا غيره، وكذا الإرادة والقدرة والسمع والبصر وباقي الكمالات. كل ذلك منه وإليه بلا حلول ولا اتحاد ولا امتزاج، ويا عجباً ممّن يرمي الطائفة العليّة بشيء من ذلك؟! فكيف يحل الوجود في العدم؟! أم كيف يتحد الحدوث بالقدم؟ أم كيف يتصور امتزاج المعاني بالكلم؟ فلا وجود قديماً ولا حادثاً إلاَّ وجوده تعالى، ولا حياة قديمة ولا حادثة إلاَّ حياته تعالى، فإنَّ الحياة هي اقتضاء الوجود للفعل والإدراك، فدخل في الفعل جميع ماهو من قبيل الأفعال، وفي الإدراك جميع الصفات الكمالية. وحيث كان الوجود ليس إلاَّ له، وتوابع الوجود ليست إلاَّ له حقيقة، فمحال أن يكون الوجود لغيره حقيقة، لأنَّ الوجود حقيقته واحدة ل تتعدّد ولا تتبعّض، كما أنه من المحال أن تكون الصفات التابعة للوجود لغيره تعالى حقيقة إذ الصفات لا يظهر بها غير من هي له أبداً، فالكلُّ منه وله، والمسمّى خلق الله وغير الله، إنما هو تجريدات جرّدها الحق تعالى من نفسه لنفسه في نفسه، كتجريد البيانين يخاطب الإنسان نفسه بنفسه، بما يريد. ويسمعها بها، ويجيبه بها، ويحاورها بها، ويعاتبها بها، وينصحها بها، فيقبل بها أو يردُّ بها، وهو هو ل ثاني له. فإنه واحد بالحقيقة غير متعدد، كرجع الصّدى، فإنه ليس هنا إلاَّ الصوت حقيقة وعلماً وهو اثنان مجازاً ووهماً.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!