الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


155. الموقف الخامس والخمسون بعد المائة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾[النساء: 4/ 1].

لفظ الناس يعم الجن والإنس، والمؤمن و الكافر. والتقوى هنا على نوعين: تقوى له، وتقوى به، أمر الحق تعالى الناس: أن يجعلوا نفوسهم وقاية لربّهم في موطن وحال، وأن يجعلوه تعالى وقاية لهم في موطن وحال. وذلك أن حضرة الربوبية مشتملة على أسماء جمال وخير وملائمة لمن توجهّت إليه، وعلى أسماء جلال وشر وعدم ملاءمة بالنسبة إلى من توجهّت عليه. فأمروا أن ينسبوا لربّهم كلّ طاعة وإيمان وخير، وبذلك يكون هو وقايتهم وهم متقون، كما قال: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾[النساء: 4/ 79].

وكما قال: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَ وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾[الكهف: 18/82].

نسب إرادة فعل الخير إلى الرب، وأن ينسبوا لأنفسهم كلّ كفر ومعصية وفعل شرّ، فيكونون وقاية له كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾[النساء: 4/ 79].

وقال: ﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾[الكهف: 18 / 79].

إذا كان ظاهر الفعل شراً، ولو كان باطنه خيراً، وبذلك يكونون عبيداً أدباء،  وإن كان في نفس الأمر كما قال: ﴿كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾[النساء: 4/78].﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَ تَعْمَلُونَ﴾[الصافات: 37/ 96].

﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾[النساء: 4/ 1].

حقيقة واحدة هي الحقيقة المحمدية المسماة بالعقل الأول وبالقلم الأعلى، فالمخلوقات كلّها منها، على غير نهاية، فهي الأصل و المنبع، فهي دواة العالم، و العالم جميعه الحروف المستخرجة منها، سواء المخلوقات الروحانية والجسمانية الطبيعية والعنصرية.

﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الواو لا تفيد ترتيباً. فإن خلق الزوجة مقدم، وهي النفس الكليّة المسماة باللوح المحفوظ، خلقها منه، كما خلق حواء من آدم (عليه السلام) يقول الشيخ محي الدين (رضي الله عنه) "النفس خطرة من خطرات العقل الأول، وهي محل تفصيل ما أجمل في العقل الأول من العلوم": ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾[النساء: 4/ 1].

فرّق ونشر في العالم العلوي والسفلي منهما من النفس الواحدة وزوجه رجالاً كثيراً، وأرواحاً كثيرة فاعلة، ونساء، ونفوساً جسمانية طبيعية منفعلة. لم كانت الأرواح فاعلة سمّاها رجالاً فهي آباؤنا العلويات، ولما كانت النفوس الجسمانية منفعلة سمّاها نساء، فهي أمهاتنا السفليات، فكل روح أب، وكل جسم أم. ولما كان الروح الذي هو الأب، لا يتعيّن من الروح الكلّي الذي هو النفس الواحدة إلاَّ بعد تسوية الجسم، الذي هو الأم، وتعديله كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾[الحجر: 15/29].[ص: 38/ 72].

صحّ أن يقال الجسم والد للروح وإليه يشير الحلاج (رضي الله عنه) بقوله:

ولدت أمي اباه

 

إنَّ ذا من أعجبات

وأبي طفل صغير

في حجور المرضعات


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!