المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
15. الموقف الخامس عشر
قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[الحديد: 57/ 3].
المحجوب حال حجابه يعتقد أن له وجوداً مستقلاً منفصلاً من الوجود الحق، أما حادثاً كما هو معتقد المتكلمين، وأمَّا قديماً كما هو معتقد بعض الحكماء، كم يعتقد أنه هو الظاهر بالصورة المحسوسة المنسوبة إليه، المسماة بزيد أو عمرو، وكم يعتقد أن له صفات مغايرة لصفات الحق تعالى من قدرة وإرادة وعلم ونحوها، كم يعتقد أن له أفعالاً صادرة عنه، هو فاعلها، إمَّا خلقاً أو اكتساباً.
ولو كان الأمر على هذا الزعم والتوهم لما بقي للتوحيد أثر، ولا للأحدية خبر، ولظهر الشرك واستقر. فإذا رحمه الله تعالى وأزال حجاب الجهل عن عين قلبه، علم أنه لا وجود لعينه لا قديماً ولا حادثاً وأنه باق في عدمه وإمكانه. إذ الممكن من حيث هو، لا عين له قائمة، وإنما هو أمر معقول، لأنَّه برزخ بين الواجب، الذي ل يقبل الانتفاء، وبين المستحيل، الذي لا يقبل الثبوت. وكلّ برزخ، لا صورة له قائمة، ولا يكون محسوساً أبداً. والصورة المحسوسة لهذا المحجوب وأمثاله، ليست له لأنها لو كانت له لكان هو الظاهر. إذ صورة الشيء هي التي يكون بها ظهوره، ولا ظهور لحقيقة الممكن وعينه، لأنها معدومة أزلاً وأبدّاً، وإنما الحق تعالى هو الظاهر بأحكام استعدادات الممكنات. والأحكام هي نسب واعتبارات، لا عين لها في الوجود، فكل ظاهر فهو الحق تعالى من اسمه الظاهر بحكم قوله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[الحديد: 57/ 3].
محق تعالى بهذه الآية، كما قال الشاذلي رضي الله عنه ، لأغيار كلها. لأن كل ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، وهو الذي يصح أن يعبر عنه بالشيئية ل يخرج عن هذه المراتب الأربع، فلا أول إلاَّ هو، ولا آخر إلاَّ هو، ولا ظاهر إلاَّ هو، ولا باطن إلاَّ هو. إذ من المعلوم: أن تعريف الجزأين يفيد الحصر. وكذا صفاته التي يعتقدها مغايرة لصفات الحق تعالى ليست كذلك، وإنما هي صفات الحق، قائمة با لحق. لكنها لما ظهرت في مرتبة التقييد تقيدت آثارها. إذ المقيّد لا تكون آثاره إلاَّ مقيدة. وبقدر ما ينفك هذا المقيّد عن أحكام التقييد، تنفك صفاته عن التقييد. ويظهر الإطلاق في آثاره إطلاقاً نسبياً، وأول مراتب الإطلاق النسبي قوله تعالى: ((فإذا أحببته كنت سمعه وبصره)) الحديث بطوله. ومحال أن يكون الحق تعالى سمع غيره وبصره وسائر قواه. لأنَّه تعالى ذات، والذات لا تقوم بغيرها. ومحال أن تقوم صفاته بغير ذاته تعالى فافهم إشارة الحقّ، فإنَّه: السامع والسمع والمسموع والبصير والمبصر والبصر... وكذا أفعال المحجوب، التي يعتقدها أفعاله، ليست كم توهّم، وإنما هي أفعاله تعالى بلا واسطة، ولا للعبد فيها، في نفس الأمر، من حيث صورته العبدية مدخل بوجه ولا حال.
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 22/ 46].
![]() |
![]() |





