الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب السبعون (باب الزكاة) في أسرار الزكاة]

(و قال) : في قول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه: واللّه لو منعوني عقالا الحديث اعلم أن العقل مأخوذ من عقال الدابة وإن كان على حقيقة عقال الدابة مأخوذ من العقل، لأن العقل متقدم على عقال الدابة فإنه لو لا ما عقل أن هذا الحبل إذا شدت به الدابة قيدها عن السراح ما سماه عقالا وقال الذي أقول به: إن الزكاة لا تجب على الكافر ومع ذلك إن جاء بها إلينا قبلناها منه وجعلناها في بيت مال المسلمين ومن ردها عليه فقد عصى أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

(و قال) : الذي أقول به: إنه لا يجب على المالك إخراج الزكاة عن ماله الذي هو في ذمة الغير وهو الدين حتى يقبض، يمر عليه وهو في يد القابض وقال: زكاة العلم تعليمه فمن جاءه طالب صادق متعطش فسأله عن مسألة هو بها جاهل وجب عليه تعليمه كوجوب الزكاة بكمال الحول والنصاب فإن لم يعلمه ما سأله فيه من العلم فلا بد أن اللّه تعالى يسلب العالم تلك المسألة، ولو بعد حين حتى يبقى جاهلا بها فيطلبها في نفسه فلا يجدها عقوبة له وقال: المستحب أن يقدم في العطاء من الأصناف الثمانية من قدمه اللّه في الذكر قياسا على البداءة في الطواف بالصفا وكذلك كل شيء قدمه اللّه في الذكر نحو هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ واَلْبَحْرِ [يونس: 22] ومن ألزم ذلك رأى خيرا في جميع أحواله.

(و قال) : في قوله صلى اللّه عليه وسلم: «المعتدي في الصدقة كمانعها» أي لأن تكليف النفس مالا 7 ينفرها عن فعله مرة أخرى فكان مانعا لها من الخير في أعين ما أراده من الخير. وقال في قول أحد الملكين: اللّهم أعط منفقا خلفا وقول الآخر: اللّهم أعط ممسكا تلفا. اعلم أن الملائكة لسان خير صرف فما معنى قول الملائكة: اللّهم أعط ممسكا تلفا أي مثل ما أعطيت فلانا المنفق حتى أتلف ماله الذي كان عنده فتخلفه عليه كما أخلفته على المنفق كأنه يقول: اللّهم ارزق الممسك الإنفاق حتى ينفق وإن كنت يا ربنا لم تقسم له أن ينفقه باختياره فأتلف ماله حتى تأجره فيه أجر المصاب فيصيب فهو دعاء له بالخير لا كما يظنه من لا معرفة له بمراتب الملائكة فإن الملك لا يدعو قط على أحد بشر ولا سيما في حق المؤمن. قال: ولا شك أن دعاء المؤمن مجاب لوجهين: الأول: لطهارته، والثاني: أنه دعاء في حق الغير بلسان لم يعص اللّه به وهو لسان الملك وأطال في ذلك. وقال في حديث الترمذي إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: إن الصدقة تطفئ غضب الرب وترفع ميتة السوء. اعلم أن غضب اللّه يحمل على الوجه الذي يليق به فإن الغضب الذي خاطبنا به معلوم عندنا بلا شك ولكنا جهلنا النسبة خاصة لجهلنا بالمنسوب إليه لا بالمنسوب الذي هو الغضب. قال: ولا يقال يحمل على معنى لا نفهمه لأنه يؤدي إلى أن الحق تعالى خاطبنا بما لا نفهم فلا يكون له أثر فينا ولا موعظة والمقصود الإفهام بما نعلم لنتعظ به. قال: وأما ميتة السوء فهو أن يموت الإنسان على حالة تؤديه؟ ؟ ؟ إلى الشقاء إذ الحق تعالى لا يغضب إلا على شقي. وقال في قوله تعالى: لَنْ تَنٰالُوا اَلْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] يدخل في ذلك إنفاق العبد قواه في سبيل اللّه، فإن نفسه أحب الأمور إليه فمن أنفقها في سبيل اللّه فله الجنة. وقال: طلب العبد الأجر من اللّه لا يخرجه عن عبوديته فإن العبد في صورة أجير ما هو أجير إذ الأجير حقيقة من استؤجر وهو أجنبي والسيد لا يستأجر عبده وإنما العمل يقتضي الأجرة ولكن أخذها لا يتصور من العمل وإنما يأخذها العامل الذي هو العبد وهو قابض الأجرة من سيده فأشبه الأجير في قبضه الأجرة وفارقه بالاستئجار فليتأمل.

وقال في قوله تعالى: وأَمَّا اَلسّٰائِلَ فَلاٰ تَنْهَرْ ( 10 ) [الضحى: 10] يدخل فيه السائل في العلم إذا كان أهلا لما سأله فيتصدق العالم عليه بالعلم ويحتسب تلك الصدقة عند اللّه لا يرى له بها فضلا على من علمه ولا يطلب منه خدمة ولا أدبا في نظيرها فإن فعل ذلك لم يحتسب ذلك عند اللّه، قال الشيخ: ولقد لقينا أشياخنا كلهم على ذلك وهي طريقتنا إن شاء اللّه تعالى. وقال في مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر وهي مسألة طويلة وغاية ما قال الناس فيها: إن الغني أفضل لتصدقه، والذي عندي في ذلك أنه إنما كان أفضل لأجل سبقه إلى مقام الفقر، ومسارعته إليه بالصدقة فله زيادة أجر ومثل ذلك مثل رجلين عند كل واحد منهما عشرة دنانير فتصدق أحدهما من العشرة بدينار واحد وتصدق الآخر بتسعة دنانير من العشرة فغالب الناس يقول صاحب التسعة أفضل فافهم روح المسألة فإنا فرضنا مال الرجلين على التساوي وإنما وجه التفضيل أن الذي تصدق بالأكثر كان دخوله إلى مقام الفقر أكثر من صاحبه ففضل بسبقه إلى جانب الفقر لا غير قال وهذا لا ينكره من له ذوق في المقامات، والأحوال، والكشوفات وبهذا فضلوا على غيرهم ولو أنه تصدق بالكل وبقي على أصله لا شيء له كان أعلى فنقصه من الدرجة على قدر ما أمسكه والسلام.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!