الفتوحات المكية

وصايا الشيخ الأكبر

وهو الباب 560 الذي ختم به الشيخ محي الدين موسوعة الفتوحات المكية بمجموعة وصايا جامعة

وهو يمثل السفرين السادس والثلاثين والسابع والثلاثين وفق مخطوطة قونية


(وصية)

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

(وصية)

(وصية)

وعليك بكثرة الدعاء في حال السجود فإنك في أقرب قربة إلى الله لما

ثبت من قوله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد

فأكثروا الدعاء ولا قرب أقرب من قرب السجود ولا دعاء إلا في القرب من الله فإذا دعوت في السجود فادع في دوام الحال الذي أوجب لك القرب المطلوب من الله فإنك تعلم أنه قريب من خلقه وهو معهم أين ما كانوا والمطلوب أن يكون العبد قريبا من الله وأن يكون مع الله في أي شأن يكون الله فيه فإن الشئون لله كالأحوال للخلق بل هي عين أحوال الخلق التي هم فيها وعليك بصلة أهل ود أبيك بعد موته فإن ذلك من أبر البر

ورد في الحديث أن من أبر البر ان يصل الرجل أهل ود أبيه وإن ذلك من أحب الأعمال إلى الله‏

وهو الإحسان إليهم والتودد بالسلام والخدمة وبما تصل إليه يدك من الراحات والسعي في قضاء حوائجهم وعليك بالتلطف بالأهل والقرابة ولا تعامل أحدا من خلق الله إلا بأحب المعاملة إليه ما لم تسخط الله فإن أرضاه ما يسخط الله فارض الله وابدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف فإن عرفت من الذي تلقاه‏

أنه يسلم عليك فاتركه يبدأ بالسلام ثم ترد عليه فيحصل لك أجر الوجوب فإن رد السلام واجب والابتداء به مندوب إليه وأحب ما يتقرب به إلى الله ما افترضه على خلقه وإذا علمت من شخص أنه يكره سلامك عليه وربما تؤديه تلك الكراهة إلى أنه لو سلمت عليه لم يرد عليك فلا تسلم عليه ابتداء إيثارا له على نفسك وشفقة عليه فإنك تحول بينه وبين وقوعه في المعصية إذا لم يرد عليك السلام فإنه يترك أمر الله الواجب عليه ومن الايمان الشفقة على خلق الله فبهذه النية اترك السلام عليه وإن علمت من دينه أنه يرد السلام عليك فسلم عليه وإن كره واجهر بالسلام عليه وابدأ به فإنك تدخل عليه ثوابا برد السلام وتسقط من كراهته فيك بسلامك عليه بقدر إيمانه ونفسه الصالحة إن كان ممن جبل على خلق حسن وعليك بالنظر إلى من هو دونك في الدنيا ولا تنظر إلى أهل الثروة والاتساع خوفا من الفتنة فإن الدنيا حلوة خضرة محبوبة لكل نفس فإن النعيم محبوب للنفوس طبعا ولو لا النعيم الذي يجده الزاهد في زهده ما زهد والطائع في طاعته ما أطاع فإن أخوف ما خافه رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم علينا ما يخرج الله لنا من زهرة الدنيا قال الله تعالى لنبيه ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا به أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ثم حبب إليه رزق ربه الذي هو خَيْرٌ وأَبْقى‏ وهو الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت هو رزق ربه الذي رزقه فإنه تعالى لا يتهم في إعطائه الأصلح لعبده فما أعطاه إلا ما هو خير في حقه وأسعد عند الله وإن قل فإنه ربما لو أعطاه ما يتمناه لعبد طغى وحال بينه وبين سعادته فإن الدنيا دار فتنة وإذا كان لأحد عندك دين وقضيته فأحسن القضاء وزده في الوزن وأرجح تكن بهذا الفعل من خير عباد الله بأخبار رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فهو من السنة وهو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السر فإن المعطي إياه لا يشعر بأنه صدقة وهو عند الله صدقة سر في علانية ويورث ذلك محبة وودا في نفس الذي أعطيته وتخفي نعمتك عليه في ذلك ففي حسن القضاء فوائد جمة وعليك يا أخي بالذب والدفع عن أخيك المؤمن عن عرضه ونفسه وماله وعن عشيرتك بما لا تأثم به عند الله فلا تبرح من يدك ميزان مراعاة حق الله في جميع تصرفاتك ولا تتبع هواك في شي‏ء يسخط الله فإنك لا تجد صاحبا إلا الله فلا تفرط في حقه وحقه أحق الحقوق وأوجبها علينا كما ثبت حق الله أحق أن يقضى وإن عزمت على نكاح فاجهد في نكاح القرشيات وإن قدرت على نكاح من هي من أهل البيت فأعظم وأعظم فإنه قد ثبت أنه خير نساء ركبن الإبل نساء قريش وعاشرهن بالمعروف واتق الله فيهن وأحق الشروط ما استحللت به فروجهن وأحسن إليهن في كل شي‏ء وإياك أن تعذب ذا روح إذا كان في يدك حتى الأضحية إذا ذبحتها فحد الشفرة وأسرع وأرح ذبيحتك وادفع الألم عن كل من يتألم جهد استطاعتك كان ما كان الألم الحسي من كل حيوان وإنسان ومن النفسي ما تعلم أنه يرضي الله واعلم أنه مما يرضي الله ما أباحه لك أن تفعله وإذا رأيت أنصاريا من بنى النجار فقدمه على غيره من الأنصار مع حبك جميعهم وعليك بأحسن الحديث وهو كتاب الله فلا تزل تاليا إياه بتدبر وتفكر عسى الله أن يرزقك الفهم عنه فيما تتلوه وعلم القرآن تكن نائب الرحمن فإن الرحمن عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ وهو القرآن فإنه قال فيه هذا بيان للناس وهو القرآن وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ فعلم القرآن قبل الإنسان أنه إذا خلق الإنسان لا ينزل إلا عليه وكذلك كان فإنه نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ على قلب محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم وهو ينزل على كل قلب تال في حال تلاوته فنزوله لا يبرح دائما فعلم الله القرآن كما عمل الإنسان القرآن‏

فخيركم من علم القرآن وعلمه‏

واتق شح الطبيعة فإن المفلح عند الله من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وكن شجاعا مقداما على إتيان العزائم التي شرع الله لك أن تأتيها فتكن من أولي العزم ولا تكن جبانا فإن الله أمرك بالاستعانة به في ذلك وإذ كان الله المعين فلا تبال فإنه لا يقاومه شي‏ء بل هو القادر على كل شي‏ء فما ثم مع الإعانة الإلهية قوة نقاوي قوة الحق فإن الله يقول فيمن سأله الإعانة ولعبدي ما سأل في الخبر الصحيح فإذا قال العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل وإذا قال اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة وهدايته من معونته يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل وخبره صدق وقد قال ولعبدي ما سأل فلا بد من إعانته ولكن هنا شرط لا يغفل عنه العالم إذا تلا مثل هذا لا يتلوه حكاية فإن ذلك لا ينفعه فيما ذهبنا إليه وفيما أريد له وإنما الله تعالى ما شرع له أن يقرأ القرآن ويذكره بهذا

الذكر إلا ليعلمه كيف يذكره فيذكره ذكر طلب واضطرار وافتقار وحضور في طلبه من ربه ما شرع له أن يطلبه فذلك هو الذي يجيبه الحق إذا سأله فإن تلا حكاية فما هو سائل وإذا لم يسأل وحكى السؤال فإن الحق لا يجيب من هذه صفته ولا جرم أن التالين الغالب عليهم الحكاية لأنه لا ثمرة عندهم فهم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم وقلوبهم لاهية في حال التلاوة وفي حال سماعه فإذا رأيت من يقدم على الشدائد في حق الله فاعلم أنه مؤمن صادق وإذا رأيته قوي العزم في دين الله وفي غير دين الله فيعلم أنه قوي النفس لا قوي الايمان بالأصالة فإن المؤمن هو القوي في حق الله خاصة الضعيف في حق الهوى لا يساعد هواه في شي‏ء إذا جاءه الهوى النفسي يطلب منه أن يعينه في أمر ما يريه من الضعف والخوف ما يقطع به يأسه منه فينقمع الهوى إذ لا يجد معونة من قبول المؤمن عليه فيعصم جوارحه من إمضاء ما دعاه إليه الهوى وسلطانه فإذا جاءه وارد الايمان وجد عنده من القوة والمساعدة بالله ما لا يقاومه شي‏ء فإن الله هو المعين له فإن الإنسان خلق هلوعا من حيث إنسانيته وإن المؤمن له الشجاعة والإقدام من حيث ما هو مؤمن كما حكي عن بعض الصحابة وأظنه عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم أخبره أنه لا بد له أن يلي مصر فحضر في حصار بلد فقال لأصحابه اجعلوني في كفة المنجنيق وارموا بي إليهم فإذا حصلت عندهم قاتلت حتى أفتح لكم باب الحصن فقيل له في ذلك فقال إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ذكر لي أني إلى مصر وإلى الآن ما وليتها ولا أموت حتى أليها فهذا من قوة الايمان فإن العادة تعطي في كل إنسان أن شخصا إذا رمى في كفة المنجنيق إنه يموت فالمؤمن أقوى الناس جأشا ومن أسمائه تعالى المؤمن وقد ورد أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا من كونه مؤمنا فالمؤمن المخلوق يستعين بالمؤمن الخالق فيشد منه ويقوي ما ضعف عنه من كونه مخلوقا فإن الله خلقه من ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً فهي إشارة وذلك أن كانت قوة الشباب تفسيرا فهي قوة الايمان بما أمر من الايمان به تنبيها فاعلم‏

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!