الفتوحات المكية

وصايا الشيخ الأكبر

وهو الباب 560 الذي ختم به الشيخ محي الدين موسوعة الفتوحات المكية بمجموعة وصايا جامعة

وهو يمثل السفرين السادس والثلاثين والسابع والثلاثين وفق مخطوطة قونية


(وصية)

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

(وصية)

(وصية)

في حكاية عن بعض أهل الولاية قال بعض السياح كنت جائزا في بعض سياحاتي في أرض الشام إذ مررت بنهر يقال له نهر الذهب فرأيت في ظهر قرية من قرى ذلك النهر صومعة فيها راهب فناديته يا راهب أجبني فلم يجبني فناديته الثانية يا راهب أجبني فلم يجبني فناديته الثالثة يا راهب أجبني أو قال فناديت الثالثة يا رباني فاطلع فرآني فقال لي ما حاجتك وما الذي تريد فقلت له عظة أو وصية أنتفع بها فقال لي أو تركت الدنيا قلت نعم فقال لي كل القوت والزم السكوت وعلل النفس فإنك تموت وذكرها الوقوف بين يدي الحي الذي لا يموت ثم قال‏

لو قنعنا لكفانا *** منك يا دار اليسير

أنت نعماك قليل *** وبلاياك كثير

وقبور تتلاشى *** حيث لا تمشي القبور

يا مبهرج لا تبهرج *** إنما الناقد بصير

قال فتركته وبت ليلتي فلما أصبح عدت إليه وناديت يا راهب زدني من تلك الحكمة فقال لي كل مما كسبته يمينك وعرق فيه جبينك فإن ضعف يقينك فسل ربك فإنه يغنيك ثم قال‏

إذا اقتربت ساعة يا لها *** وزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها

فلا بد من سائل قائل *** من الناس يومئذ ما لَها

تُحَدِّثُ أَخْبارَها ربها *** وربك لا شك أَوْحى‏ لَها

وتنفطر الأرض عن ساعة *** تشيب الكهول وأطفالها

ترى الناس سكرى بلا قهوة *** ولكن ترى النفس ما هالها

ترى النفس ما قدمت محضرا *** ولو ذرة كان مثقالها

ذنوبي بلائي فما حيلتي *** إذا كنت في الحشر حمالها

يحاسبها ملك قادر *** فأما عليها وإما لها

قال فتركته وبت ليلتي فلما أصبح عدت إليه وناديته يا راهب زدني من تلك الحكمة فقال لي صل الفرض واذكر العرض ولا تطلب من أحد الصلة ولا القرض ثم قال‏

متى تهجر الدنيا وتنوي بتوبة *** وعمرك للدنيا يساق بها ركضا

فلا بد بعد الموت أن تسكن البلى *** يرضك ثقل اللبن تحت الثرى رضا

وتعطي كتابا فيه كل فضيحة *** وتشهد أهوال القيامة والعرضا

فقم في دياجي الليل لله طائعا *** لعل الذي أسخطته لعسى يرضا

قال فتركته وبت ليلتي فلما أصبح عدت إليه وناديته يا راهب زدني من تلك الحكمة فقال لي يا هذا شغلتني عن عبادة ربي فقمت إليه مودعا فقال لي كل الصبر والزم الفقر ثم أنشد

متى تهدي إلى سبل الرشاد *** إذا كنت المصر على الفساد

نهارك لاعبا تغتر فيه *** وليلك لا تمل من الرقاد

فدع ظلم العباد فليس شي‏ء *** أضر عليك من ظلم العباد

وهي الزاد إنك ذو رحيل *** على السفر البعيد على انفراد

تأهب للذي لا بد منه *** فإن الموت ميقات العباد

يسرك أن تكون زميل قوم *** لهم زاد وأنت بغير زاد

وروينا عن بعض علماء هذا الشأن من أهل الله الناصحين أنفسهم أنه قال ينبغي لمن علم إن له مقاما بين يدي الله عز وجل ليسأله عما أسلف في هذه الدار أن لا يؤثر القليل الحقير على الجزيل الكثير ولا التواني والتقصير على الجد والتشمير ولا سيما إذا كان ممن قد أيده الله منه بإتقان العلم ولقح عقله بدلالات الفهم أن لا يتحير في ظلمة الغفلة التي تحير فيها الجاهلون والعجب كل العجب لأهل هذه الصفة كيف استوحشوا من طاعة الله وأنسوا بغيره وركنوا إلى الدنيا وتقلب حالاتها وكثرة آفاتها ولا زادتهم الدنيا إلا هوانا ولا ازدادوا لها إلا إكراما فما مستيقظ من وسنة يخلع وثيق الغل من عنقه ويهتك جلباب الران عن قلبه وإن من أنصح النصحاء لك يا أخي من حملك من أمرك على المحجة وأمرك بالرحلة ولم يحسن لك سوف وأرجو ولعل ويكون فما رأيت هذه الخصال تورث صاحبها إلا الخسارة والندامة فكابدوا التسويف بالعزم وبادروا التفريط بالحزم فقد وضح لكم الطريق والله المستعان والمرشد والدليل‏

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!