فجعل"الخلوف"عند اللّٰه أطيب منه، لأن نسبة إدراك الروائح إلى اللّٰه لا تشبه إدراك الروائح بالمشام. فهو خلوف عندنا، و عنده-تعالى! - هذا الخلوف فوق طيب المسك في الرائحة. فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به. فلا تشبه الرائحة الرائحة. فان رائحة الصائم عن تنفس، و رائحة المسك لا عن تنفس من المسك.
(ابن عربي عند موسى بن محمد القباب بحرم مكة)
و لنا"واقعة"في مثل هذا. كنت عند موسى بن محمد القباب، بالمنارة، بحرم مكة، بباب الحزورة، و كان يؤذن بها. و كان له طعام يتأذى برائحته كل من شمه. و سمعت في الخبر النبوي"أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"، و نهى (الشارع) أن تقرب المساجد برائحة الثوم و البصل و الكراث. -فبت و أنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل الملائكة. فرأيت الحق تعالى في النوم. فقال لي- عز و جل! -: "لا تقل له عن الطعام، فان رائحته عندنا ما هي مثل ما هي عندكم". فلما أصبح جاء، على عادته، إلينا. فأخبرته بما جرى. فبكى و سجد لله شكرا. ثم قال لي: "يا سيدى! و مع هذا، فالأدب مع الشرع أولى". فازاله من المسجد. -رحمه اللّٰه! -.
(الروائح الخبيثة تنفر عنها الأمزجة السليمة)
و لما كانت الروائح الكريهة الخبيثة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية السليمة، من إنسان و ملك، لما يحسونه من التأذي لعدم المناسبة. فان
وجه الحق في الروائح الخبيثة لا يدركه إلا اللّٰه خاصة، و من فيه مزاج القبول له من الحيوان أو الإنسان الذي له مزاج ذلك الحيوان، لا ملك. و لهذا قال (-ع-) : "عند اللّٰه". فان الصائم أيضا، من كونه إنسانا سليم المزاج، يكره خلوف الصوم من نفسه و من غيره.