الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب الموفي ستون وخمسمائة في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء اللّٰه تعالى]

(و قال) : الاتباع في ترك تسنين ما سكت عنه الشارع صلى اللّه عليه وسلم أولى من التسنين وأكثر أجرا وإن كان ذلك بدعة حسنة فإن من سن فقد كلف الأمة ما يشق عليها ولو كان ذلك محمودا لكان صلى اللّه عليه وسلم أولى به فاجعل بالك لما ذكرته لك فعلم أن كل من لم يكلف الأمة بأكثر مما ورد فهو حكيم الزمان فإنه لا أعلى مما وضعه الكامل المكمل. وقال: قم في الأسباب من غير اعتماد عليها فإن اللّه ما نهاك عن القيام في الأسباب وإنما نهاك عن الركون إليها والاعتماد عليها كما أشار إليه قوله تعالى: ومٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [يوسف: 106] يعني هذا الشرك الخفي الذي هو الاعتماد على الأسباب فإن رأيت نفسك يا أخي تسكن إلى الاعتماد على الأسباب فاتّهم إيمانك وإن رأيت نفسك يتساوى عندها فقد السبب المعين وحالة وجود السبب، فاعلم أنك مؤمن حقا وهناك يرزقك اللّه من حيث لا تحتسب فمن ادّعى كمال التوكل ورزق من حيث يحتسب فما هو ذلك الرجل. قال: ومن الرزق الذي لا يحتسبه العبد أن يأكل مما في خزائنه وتحت تصريفه وهو غير معتمد عليه ولأنه ليس في حسابه أن اللّه يرزقه ولا بد من الذي هو حاصل عنده فما رزق هذا إلا من حيث لا يحتسب، وقال: وهذا أمر دقيق لا يشعر به إلا أهل اللّه عز وجل فاعلم ذلك.

(و قال) : احذر أن تريد في الأرض علو وفساد والزم الذل والانكسار والخمول، فإن أعلى اللّه تعالى كلمتك فما أعلاها إلا الحق وذلك بأن يرزقك الرفعة في قلوب الخلق وإيضاح ما قلناه أن اللّه تعالى ما أنشأك إلا من الأرض فلا ينبغي لك أن تعلو على أمك واحذر أن تتزهد وتتعبد وتتكرم وفي نفسك استحلاء ذلك لكونه يرفعك على أقرانك فإن ذلك من إرادة العلو في الأرض. وقال: إنما رغب الشارع أمته في ترك الجدال والمراء وإن كان محقا خوفا أن يسمع ذلك من لا فهم له فيعمل بذلك المذهب الباطل مثلا حين ترك صاحبه ظاهر الحجة والمغالبة على خصمه، ثم إن النفس ربما تخدع صاحبها وتقول له: إنما تجادل لنصرة الحق ولتنقيح الذهن لنصرة الأقوال الواهية التي قام بها إمام مذهبه وما علم هذا أن اللّه عند لسان كل قائل بل المجادل في عين حضرة الحق وإن لم يشعر وإذا كنا نهينا عن رفع أصواتنا بحضرة الأكابر فكيف بحضرة الحق تعالى فافهم.

(و قال) : لما رأى أهل اللّه أن العبد لا يقدر أن يأتي بخلق كريم يوافق مزاج كل الناس أشغلوا نفوسهم بما يرضي اللّه عز وجل فقط، فالمؤمن يرضيه ما يرضى به اللّه، والمنافق لا يبالي إذا سخط علينا في ذلك لأنه عدو اللّه. وقال: عليك بمشاركة جميع أصحاب الهموم والرزايا في أنفسهم وأموالهم وأولادهم وإخوانهم إن أردت أن تثبت لك أخوة الإيمان فإن اللّه قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء الإنسان الواحد، واحذر من الاكتراث بما يصيبك من الرزايا في هذه الدار فإن اللّه ما ابتلاك بها إلا تمحيصا لذنوبك حتى تلقاه طاهرا مطهرا من الذنوب فاشكر اللّه على ذلك. وقال: عليك بتلاوة القرآن ولو ثلاثة أحزاب كل يوم ولا تهجره كما يفعل ذلك طلبة العلم وبعض المتصوفة زاعمين أنهم قد اشتغلوا بما هو أهم من ذلك وهو كذب وزور فإن القرآن مادة كل علم في الدنيا فلا تكن ممن يهجر تلاوته بل اتله إن استطعت آناء الليل وأطراف النهار واستنبط منه ما شئت من العلوم، كما كان عليه الأئمة المجتهدون وانظر في تلاوتك يا أخي إلى كل صفة مدح اللّه بها عباده فافعله واعزم على فعلها وكل صفة ذم اللّه تعالى عباده على فعلها فاتركه واعزم على تركها فإن اللّه ما ذكر ذلك ونزّله في كتابه إلا لتعمل به فإذا حفظت القرآن عن تضييع العمل به كما حفظته تلاوة فأنت الرجل الكامل. وقال: حياة الذاكر للّه عز وجل متصلة دائمة لا تنقطع بالموت فهو حي وإن مات كانت حياته أحيا وأتم من حياة الشهيد في سبيل اللّه إلا أن يكون الشهيد من الذاكرين اللّه كثيرا فإن له حينئذ حياتان حياة الشهادة وحياة الذكر، فالذاكر للّه حي وإن مات وتارك الذكر ميت وإن كان في الدنيا حيا بحياته الحيوانية. وفي الحديث «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» فيخرج من ذلك أن حياة الذاكرين من حياة الشهيد إذا لم يكن من الذاكرين. وفي الحديث: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربوا رقابهم» ، قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: «ذكر اللّه» فذكر ضرب الرقاب وهو الشهادة. وقال: عليك بعلم الشريعة فإن الشريعة هي سفينتك التي إذا انحرفت هلكت وهلك جميع من فيها وأنت مسؤول عن إقامة حدود اللّه في رعيتك الخارجة عنك والداخلة فيك ولا تعرف إقامة الحدود عليها إلا بمعرفة شرع ربك.

(و قال) : اخلف إيعادك ولا وعدك وسم إخلاف إيعادك تجاوزا حتى لا تسمى أنك مخلف ما أوعدت به، ولو كان شرا فإن الأحكام تتبع الأسماء كما سئل مالك رحمه اللّه عن خنزير البحر فقال: هو حرام فقيل له: إنه سمك من حيوان البحر فقال: أنتم سميتموه خنزيرا ما قلتم: ما تقول في سمك البحر؟ قال: وهذا الذي قررناه كان سبب وقوع المعتزلة فيما وقعوا فيه من القول بإنفاذ الوعيد. قالوا: لاستحالة الكذب على اللّه في خبره وما علمت المعتزلة أن مثل ذلك لا يسمى كذبا في العرف الذي نزل به الشرع فحجبهم دليلهم العقلي عن علم الوضع الحكمي وهذا من قصور العقول وفوقها وفي كل موطن مع أدلتها ولا ينبغي لها ذلك بل الذي كان ينبغي لها النظر إلى المقاصد الشرعية في الخطاب ومن خاطب وبأي لسان خاطب وبأي عرف أوقع المعاملة في تلك الأمة المخصوصة. قال: بعض الأعراب في مكارم أخلاقه: وإني إذا أوعدته ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي، لكن لا ينبغي أن يقال في حق الحق تعالى: إنه مخلف بل يقال: إنه غفور متجاوز عن عبده واللّه أعلم بالصواب.

(و لنختم الكتاب بجملة صالحة في الكلام على يوم القيامة وما يقع فيه وعلى الجنة والنار أعاذنا اللّه تعالى منها بفضله وكرمه آمين ملخصا من أبواب «الفتوحات المكية» مشيدا بكلام بعض مشايخنا) : اعلم أن اللّه تعالى إذا أمر إسرافيل أن ينفخ في الصور بعثر ما في القبور ثم حشر الخلق من الناس والوحوش بعد أن أخرجت الأرض أثقالها ولم يبق في بطنها سوى عينها جيء بالعالم كله إلى الظلمة التي دون الحشر فألقوا فيها حتى لا يرى بعضهم بعضا ولا يبصرون كيفية التبديل في السماء والأرض حين تقع فتمد الأرض مد الأديم وتبسط حتى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وسميت ساهرة لأنه لا نوم فيها إذ لا نوم لأحد بعد زوال الدنيا ثم وضع الصراط من الأرض علوا على استقامة إلى سطح الفلك المكوكب فيكون منتهاه إلى المرج الذي هو خارج سور الجنة. قال: وأول جنة يدخلها الناس جنة النعيم وأما المأدبة فتكون في المرج وهي در مكة بيضاء نقية فيأكل منها أهل المأدبة ثم يقوم بعضهم فيقطف من الثمار المدلاة من فروع أشجار الجنة على السور وتوضع الموازين في أرض المحشر لكل مكلف ميزان تخصه ويضرب سور الأعراف بين الجنة والنار، وقد جعله اللّه مكانا لمن اعتدلت كفتا ميزانه فلم ترجح إحداهما على الأخرى، واعلم أن معنى قولنا: أن لكل مكلف ميزانا تخصه أن كل واحد يتلون له الميزان بصورة ما كان العبد عليه في دار الدنيا وهو واحد في نفسه لا موازين متعددة هكذا أطلعنا اللّه عليه في واقعة من الوقائع وقد خلق اللّه تعالى جسد الإنسان على صورة الميزان وجعل كفتيه يمينه وشماله وجعل لسانه قائمة ذاته فهو لأي جانب مال، قال تعالى: وأَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولاٰ تُخْسِرُوا اَلْمِيزٰانَ ( 9 ) [الرحمن: 9] يعني بالميل إلى المعاصي والوقوع فيها وقد قرن اللّه تعالى الساعدة بالكفة اليمين والشقاء بالكفة اليسار، فالاعتدال سبب البقاء والانحراف سبب الهلاك، قال: وموازين الآخرة كلها تدرك بحاسة البصر كموازين أهل الدنيا ولكنها ممثلة عكس الدنيا فهي كتمثل لأعمال سواء ثم إذا وضعت الموازين لوزن الأعمال جعلت فيها كتب الخلائق الحاوية لجميع أعمالهم لكن الظاهرة فقط دون الباطنة لأن الأعمال الباطنة لا تدخل الميزان المحسوس أبدا لكن يقام فيها العدل وهي الميزان الحكمي المعنوي فمحسوس لمحسوس ومعنى لمعنى يقابل كل بمثله قال: وآخر ما يوضع في الميزان الحمد للّه ولهذا ورد «و الحمد للّه تملأ الميزان» قال: وإنما لم تكن لا إله إلا اللّه تملأ الميزان كالحمد للّه لأن كل عمل من أعمال الخير يقابله عمل آخر من جنسه ليجعل هذا الخير في موازنته ولا يقابل لا إله إلا اللّه إلا الشرك ولا يجتمع توحيد وشرك في ميزان واحد من الخلق أبدا، بخلاف غير الشرك من سائر المعاصي فإن الإنسان إن كان يقول: لا إله إلا اللّه معتقدا لها فما أشرك وإن أشرك فما اعتقد لا إله إلا اللّه، فلما لم يصح الجمع بينهما لم تدخل لا إله إلا اللّه الميزان لعدم ما يعادلها في الكفة الأخرى.

(قال) : وأما صاحب السجلات فإنما دخلت لا إله إلا اللّه ميزانه لأنه كان يقول: لا إله إلا اللّه معتقدا لها لكنه لم يعمل معها خيرا قط إنما عمل معها سيئات فتوضع لا إله إلا اللّه في مقابلة التسعة وتسعين سجلا من السيئات فترجح كفة لا إله إلا اللّه بالجميع وتطيش السجلات فلم ينقل مع اسم اللّه شيء فإذا فرغ الناس من الموازين وقفت الحفظة بأيديهم الكتب التي كتبوها في الدنيا من أعمال المكلفين وأقوالهم ليس فيها شيء من اعتقادات قلوبهم إلا ما شهدوا به على أنفسهم بما تلفظوا به من ذلك، فعلقوها في أعناقهم بأيديهم فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه ومنهم من يأخذه بشماله ومنهم من يأخذه من وراء ظهره وهم الذين نبذوا الكتاب وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا وليس أولئك إلا الأئمة المضلين الضلال الذين ضلوا وأضلوا قال: واعلم أن الذي يعطى كتابه بيمينه هو المؤمن وأما الذي يعطى كتابه بشماله فهو المنافق لأن المشرك لا كتاب له يقرأ ولذلك يقول اللّه عز وجل للمنافق: اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [الإسراء: 14] وقد عقب اللّه عز وجل الذي يأخذ كتابه بشماله بقوله: إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ اَلْعَظِيمِ ( 33 ) [الحاقة: 33] فسلب عنه الإيمان دون الإسلام، لأنه كان منقادا للإسلام في ظاهره ليحفظ أهله ودمه وماله وهو في باطنه إما مشرك ومعطل ومتكبر وكافر بخلاف الإيمان فإنه من أعمال القلوب لا يطلع عليه أحد. قال: وأما الذين يأخذون كتبهم من وراء ظهورهم فهم الذين أوتوا الكتاب فنبذوه وراء ظهورهم فإذا كان يوم القيامة قيل للواحد منهم: خذ كتابك من وراء ظهرك أي من الموضع الذي نبذته فيه في حياتك الدنيا فهو كتابهم المنزل إليهم لا كتاب الأعمال فإنه حين نبذه وراء ظهره ظن أن لن يحور أي: 644 تيقن أن لن يرجع، وهذا هو الذي يقول اللّه عز وجل له يوم القيامة حين يعاتبه ويقرره: أظننت أنك ملاقي الحديث ثم جيء بالحوض يتدفق ماؤه عليه من الأواني على عدد الشاربين منه لا تزيد ولا تنقص يرمى فيه أنبوبان أنبوب ذهب وأنبوب فضة وهو لزيق بالسور، ومن السور ينبعث الأنبوبان فيشرب منه المؤمنون، واعلم أن الحوض والصراط يتلونان لشاكلة العلم والعمل وهما حقيقتا الشريعة وعلومها فالحوض علومها والصراط أفعالها فعلى مقدار الإحاطة بعلم الشريعة يكون الشرب من الحوض، وعلى مقدار اتباع الشريعة يكون المشي والاستقامة على الصراط فكل من ضيق على نفسه بالورع عن كل ما كرهه اللّه اتسع عليه الصراط وكل من ترك الورع هنا ضاق عليه الصراط هناك بقدر ما فر، فالصراط حقيقة إنما هو هنا لا هناك لأنه لا يمشي العبد هناك إلا على الصراط الذي أنشأه بأعماله في دار الدنيا من الأعمال الصالحة وغيرها فهو في دار الدنيا باطن لا يشهد له صورة حسية يمد للعبد يوم القيامة جسرا ممدودا على جسر جهنم محسوسا أوله في الموقف وآخره على باب الجنة كما مر يعرف كل عبد إذا شاهده أنه بناؤه بجوارحه وصنعته بيده.

(قال) : ولا يمشي كل إنسان على الصراط إلا في نور نفسه فقط لأن الصراط لا نور له في نفسه ولا يمشي أحد عليه في نور أحد نسأل اللّه اللطف، ثم يؤتى بمنابر من نور مختلفة في الإضاءة واللون فتنصب في تلك الأرض ويؤتى بالأنبياء يقومون فيقعون عليها قد غشيتهم الأنوار لا يعرفهم أحد في رحمة إلى الأبد عليهم من الخلع الإلهية ما تقر به أعينهم ويأتي كل إنسان معه قرينه من الشياطين والملائكة وتنشر الألوية ذلك اليوم للسعداء والأشقياء بأيدي أئمتهم الذين كانوا يدعونهم إلى الحق والباطل وتجتمع كل أمة إلى رسولها من آمن منهم ومن كفر، وتحشر الأفراد والأنبياء بمعزل من الناس بخلاف الرسل فإنهم أصحاب العساكر فلهم مقام يخصهم، وقد عين اللّه عز وجل في هذه الأرض بين يدي عرض الفصل والقضاء مرتبة عظمى امتدت من الوسيلة التي في الجنة تسمى المقام المحمود وهو لمحمد صلى اللّه عليه وسلم خاصة، ويأتي ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها فتكون سبع صفوف أهل كل سماء صف والروح قائم مقدم الجماعة وهو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل، ثم يؤتى بالكتب المنزلة والصحف المكرمة وخلف كل كتاب من نزل من أجلهم فيمتازون عن أصحاب الفترات وعمن تعبد نفسه بكتاب لم ينزل من أجله وإنما دخل فيه وترك ناموسه لكونه من عند اللّه وكان ناموسه عن نظر فكري من عاقل مهدي، ثم يأتي اللّه عز وجل على عرشه وملائكته الثمانية تحمله فيضعونه في تلك الأرض والجنة عن يمين العرش والنار من الجانب الأخر، وقد عمت الهيبة الإلهية قلوب أهل الموقف من إنسان وملك وجان ووحش فلا يتكلمون إلا همسا بإشارة عين وخفي صوت ثم ترفع الحجب بين اللّه وبين عباده وهو كشف الساق ويأمرهم داعي الحق بالسجود المعهود فلا يبقى أحد سجد للّه خالصا إلا سجد ولا سجد رياء اتقاء الآخر على قفاه وبهذه السجدة ترجح ميزان أهل الأعراف لأنها سجدة تكليف فيسعدون ويدخلون الجنة ويشرع الحق تعالى في الفصل والحكم بين عباده فيما كان بينهم، وأمّا ما كان بينهم وبين اللّه فإن الكرم الإلهي قد أسقطه فلا يؤاخذ اللّه من عباده بذلك ذلك الوقت. فهنيئا لمن لم يشهد مخاصمة بينه وبين أحد من الخلق ولم يقع له ذنب إلا بينه وبين اللّه ولن يقع له ذنب مطلقا ويختلف ذلك باختلاف المشاهد في التوحيد ثم تقع الشفاعة الأولى من محمد صلى اللّه عليه وسلم في كل شافع أن يشفع فيشفع الشافعون، ويقبل اللّه تعالى من شفاعتهم ما شاء ويرد من شفاعتهم ما شاء وقد بسط اللّه الرحمة في قلوب الشفعاء في ذلك اليوم ومن رد اللّه شفاعته من الشافعين فليس انتقاصا ولا عدم رحمة بالمشفوع فيه وإنما ذلك إظهارا للمنة الإلهية على عباده فيتولى اللّه سعادتهم ورفع الشقاوة عنهم. واعلم أن الشافعين في ذلك اليوم واحد وثلاثة فالواحد أرحم الراحمين والثلاثة هم الملائكة والنبييون والمؤمنون. يقول اللّه تعالى في ذلك اليوم: شفعت الملائكة والنبييون والمؤمنون وبقي أرحم الراحمين فلكل شافع طائفة تخص حضرته فأرحم الراحمين يشفع في الذين لم يعملوا خيرا قط غير توحيدهم للّه فقط فهم كصاحب السجلات.

(قال) : وهؤلاء هم الذين شهدوا مع شهادة اللّه والملائكة أنه لا إله إلا هو، وأما الملائكة فتشفع فيمن كان على مكارم الأخلاق شفاعتهم تكون على الترتيب وآخرهم شفاعة التسعة عشر فإن الملائكة إذا شفعت لن تشفع هذه التسعة عشر، بل تتأخر إلى أن تنقضي مدة المؤاخذات كلها ويتصفون بالرحمة وذلك عندما يرون أن غضب اللّه قد ارتفع عن عصاة الموحدين، وأما النبييون فيشفعون في المؤمنين خاصة، والمؤمنون طائفتان مؤمن عن نظر وتحصيل دليل فالشافع فيه النبييون فإن الأنبياء جاءوا بالخير إلى أممهم وذلك هو متعلق بالإيمان ومؤمن مقلد بما أعطاه أبواه وأهل الدار التي نشأ فيها فالشافع في هذا المؤمنون الذين فوقه في الدرجة بعد أن خلصوا بشفاعة رسول اللّه فيهم يعني في الشافعين. قال: وصورة شفاعة أرحم الراحمين أن تشفع أسماء الحنان والرحمة واللطف عند الاسم الشديد العقاب والمنتقم والجبار فهي مراتب أسماء الإلهية لا شفاعة محققة فيتولى الحق تعالى بنفسه إخراج من شاء من النار إلى الجنة ويملأ اللّه تعالى جهنم بغضبه وعقابه والجنة برضاه تعالى ورحمته، وقد اختلف الناس في الجنة والنار هل خلقتا الآن أم لا والخلاف مشهور وأقام كل طائفة الدليل على قوله بما رآه حجة عنده وأطال الشيخ محيي الدين رحمه اللّه الكلام على ذلك في الباب الحادي والستين من «الفتوحات» ثم قال: وأما عندنا وعند أصحابنا من أهل الكشف والتعريف فهما مخلوقتان غير مخلوقتين، فأما قولنا غير مخلوقتين فكرجل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة فيقال: قد بنى دارا فإذا دخلها أحد لم ير إلا سورا دائرا على فضاء وساحة ثم بعد ذلك ينشيء بيوتها على أغراض الساكنين فيها وتفاوت مراتبهم ودرجاتهم ودركاتهم من قصور وغرف وسراديب ومهالك ومخازن وما ينبغي أن يكون فيها مما يريده الساكن من الآلات التي تستعمل فيها وأطال في ذلك. ثم قال: فقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، إشارة إلى تعيين أماكن كل إنسان في الجنة والنار كما يعلم المهندس جدران البناء بالجص قبل بناء الأساسات ثم يشرع بعد ذلك في بناء السور ثم الدهاليز ثم أشجار الفواكه ثم القصور والدركات. قال: فإن كانت الدار هي الجنة بنى سورها من التوحيد، وإن كانت الدار هي النار بنى سورها من الشرك والكفر والنفاق والتكبر ونحو ذلك على حسب دركات سكانها في طبقاتها فلا ينتهي بناء جنة كل إنسان إلا بآخر أعماله في دار الدنيا فإذا انتهى البناء فما بقي إلا السكنى فيقال له: اخرج إلى دارك فقد كمل بناؤها، فإذا طلعت روحه حبس في البرزخ حتى يتكامل عدد السكان وتنتهي مددهم فينادي المنادي: اخرجوا جميعا إلى مساكنكم، فمعنى أعدت على هذا التقرير أي أعدت لهم قبل دخولهم لها لا قبل خلقهم وإيجادهم ما عدا السور المتقدم ويؤيد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم: «من فعل كذا بنى اللّه له بيتا في الجنة» فعلق وجود ذلك البيت على فعل ذلك الأمر فدل على أنه لم يكن مبنيا قبل ذلك وكذلك يؤيده أيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم: «إن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وغراسها سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر» ونحو ذلك.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!